مذكرة ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي يوم أمس، صادرة عن الأمن العام، تدعو عناصره إلى الابتسام في وجه كل مسافر يصل إلى لبنان، إضافة إلى تسهيل مرور كبار السن والأطفال والعائلات.
للوهلة الأولى، تبدو المبادرة لطيفة وإنسانية، بل ومطلوبة. لبنان بلد يعيش من سياحته ومن اغترابه، وابتسامة عنصر الأمن العام في المطار قد تكون أول انطباع يأخذه الزائر أو المغترب العائد عن بلده.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه فورًا: كيف لهذا العنصر أن يبتسم؟
نعم، واجبه أن يخدم الناس باحترام وأن يكون متعاونًا ولطيفًا، فهذا جزء من مهمته، وهو أيضًا جزء من صورة لبنان التي يمثلها على الحدود. لكن قبل أن تطلب الدولة من موظفها ابتسامة، عليها أن تسأل نفسها إن كانت قد أعطته الأسباب التي تجعل هذه الابتسامة طبيعية، لا مجرد تعبير يلتزم به لأنه ورد في مذكرة رسمية.
ابتسامة فوق جرح مفتوح
أحد أهم أسباب الابتسامة هو أن يشعر الإنسان بأن حياته مستقرة وأن عمله يؤمّن له ولعائلته الحد الأدنى من الأمان.
فكيف يُطلب من موظف أن يبتسم بوجه مسافر قادم من الخارج، بينما هو نفسه يعيش تحت ضغط المصاريف اليومية؟ كيف يبتسم وهو يفكر في ثمن الدواء، أو قسط المدرسة، أو فاتورة الكهرباء، أو إيجار المنزل؟
هنا تكمن المفارقة.
لا يمكن اختزال جودة الموظف وإنسانيته في تعبير على وجهه، بينما تبقى ظروفه المعيشية الصعبة خارج المعالجة.
وبحسب أرقام «الدولية للمعلومات»، تحتاج الأسرة اللبنانية المؤلفة من أربعة أفراد إلى نحو 1,157 دولارًا شهريًا لتغطية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، في حين يبلغ الحد الأدنى الرسمي للأجور نحو 312 دولارًا.
أي أن كلفة معيشة الأسرة تعادل نحو 371% من الحد الأدنى للأجور، أو أنها تفوقه بنحو 271%.
وهذه الفجوة ليست مجرد رقم اقتصادي، بل واقع يعيشه الموظف والعامل اللبناني يوميًا.
بين الواجب والإنسانية
لا أحد يعترض على أن يكون موظف الأمن العام لطيفًا، مرحّبًا ومتعاونًا. على العكس، هذا جزء أساسي من الخدمة العامة، وخصوصًا في قطاع حساس كالأمن العام، حيث يمكن لتعامل موظف واحد أن يترك انطباعًا عن بلد بأكمله.
لكن هناك فرق بين ابتسامة نابعة من شعور بالاستقرار والرضا المهني، وابتسامة تصبح جزءًا من تعليمات العمل.
المشكلة ليست في أن تطلب الدولة من موظفيها حسن التعامل مع الناس؛ المشكلة حين يصبح التركيز على المظهر الخارجي للخدمة أكبر من الاهتمام بالظروف التي يعيشها مقدّم هذه الخدمة.
الابتسامة الحقيقية تُبنى، لا تُفرض
قبل أن تطلب الدولة من عناصرها الابتسام، عليها أن تسأل نفسها:
هل تؤمّن لهم راتبًا يوازي مسؤولياتهم؟ هل توفّر لهم بيئة عمل تحفظ كرامتهم؟ هل تمنحهم الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح لهم بأن يؤدوا عملهم براحة؟
نعم، ليبتسم عنصر الأمن العام للمسافر. وليكن استقبال اللبنانيين والزوّار أكثر احترامًا وإنسانية.
ولكن الابتسامة الصادقة لا تُستجلب بتعميم إداري، بل تُبنى من استقرار اقتصادي واجتماعي حقيقي. وإلى أن يحصل ذلك، ستبقى ابتسامة عنصر الأمن العام عند المطار، مهما بدت لطيفة، انعكاساً لواجب مهني أكثر منها تعبيراً عن رضا داخلي حقيقي. وهذا، في نهاية المطاف، هو أصدق وصف لحال لبنان اليوم: بلد يطلب من أبنائه أن يبتسموا للعالم، بينما هم أنفسهم يبكون في الداخل.
