في كل مرة يبدو فيها أن لبنان بلغ قاع أزمته الاقتصادية، يكتشف اللبنانيون أن هناك قاعًا أعمق ينتظرهم.
بعد سنوات من الانهيار المالي والاقتصادي الذي بدأ عام 2019، جاءت التداعيات الإ قليمية والأمنية المرتبطة بالحرب على إيران لتضيف طبقة جديدة من الضغط على اقتصاد منهك أصلًا، وتعيد إلى الواجهة السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن للبناني أن يعيش بكرامة عندما لا يواكب دخله كلفة حياته؟
الرقم الذي يختصر المأساة
كشفت الدولية للمعلومات أن كلفة الحد الأدنى لمعيشة أسرة لبنانية مؤلفة من أربعة أفراد تبلغ نحو 1,157 دولارًا شهريًا، في حين يبلغ الحد الأدنى الرسمي للأجور نحو 312 دولارًا.
بمعنى آخر، فإن كلفة معيشة الأسرة تعادل نحو 371% من الحد الأدنى للأجور، أو أنها تفوقه بنحو 271%.
والفجوة هنا ليست مجرد أرقام على الورق. فعائلة تعتمد على معيل واحد يتقاضى الحد الأدنى للأجور لا تحصل إلا على نحو 27% من المبلغ الذي تحتاجه شهريًا لتغطية الحد الأدنى من نفقات المعيشة.
وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بمستوى الأجور، بل بمدى قدرة هذه الأجور على مواكبة كلفة الغذاء والسكن والنقل والطبابة والتعليم وسائر الاحتياجات الأساسية.
أعباء إقليمية فوق أزمة قائمة
لم يكن لبنان بمنأى عن التداعيات الاقتصادية للتوترات والحروب الإقليمية.
فأي ا ضطراب إقليمي واسع ينعكس سريعًا على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ولا سيما في ما يتعلق بالطاقة والنقل وسلاسل التوريد.
كما أن تراجع النشاط السياحي والتجاري، وارتفاع حالة عدم اليقين، يشكلان ضغطًا إضافيًا على اقتصاد لا يزال يحاول التعافي من آثار الانهيار المالي والنقدي الذي بدأ عام 2019.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: لبنان يدخل كل أزمة إقليمية جديدة وهو أصلًا في موقع اقتصادي هش، ما يجعل قدرة الأسر على امتصاص أي ارتفاع إضافي في الأسعار محدودة جدًا.
أجور لا تلاحق الأسعار
رفع الحد الأدنى للأجور شكّل محاولة لتحسين القدرة الشرائية للعمال، لكنه لا يحل المشكلة إذا استمرت كلفة المعيشة في الارتفاع بوتيرة أسرع من نمو الأجور.
فالزيادة الاسمية في الراتب لا تعني بالضرورة زيادة حقيقية في القدرة الشرائية.
إذا ارتفع الراتب، وفي الوقت نفسه ارتفعت أسعار المواد الغذائية والنقل والإيجارات والخدمات، فإن العامل قد يجد نفسه بعد فترة قصيرة في الموقع نفسه، أو حتى في وضع أسوأ.
وهنا تصبح الزيادات المتكررة في الأجور أشبه بمحاولة للحاق بالأسعار بدل أن تكون جزءًا من سياسة اقتصادية متكاملة تضمن تحسنًا مستدامًا في مستوى المعيشة.
من يتحمل الكلفة؟
المعادلة ليست سهلة بالنسبة إلى أصحاب العمل أيضًا.
فأي زيادة كبيرة في الأجور، في ظل اقتصاد يعاني من ضعف الاستثمار وتراجع النشاط وارتفاع تكاليف التشغيل، قد تشكل ضغطًا إضافيًا على المؤسسات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة.
لكن في المقابل، إبقاء الأجور عند مستويات لا تتناسب مع كلفة المعيشة يعني تحميل العامل والأسرة الجزء الأكبر من الأزمة.
وهكذا يجد الاقتصاد اللبناني نفسه أمام معادلة صعبة: رفع الأجور من دون نمو اقتصادي وإنتاجية وتمويل مستدام قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية إضافية، بينما عدم رفعها يعني استمرار تآكل القدرة الشرائية.
أزمة تتجاوز الراتب
المشكلة في لبنان لم تعد مجرد مشكلة «راتب منخفض».
إنها مشكلة اقتصاد كامل فقد، خلال سنوات، جزءًا كبيرًا من قدرته على حماية الدخل الحقيقي للمواطن.
فالراتب الذي قد يبدو مرتفعًا بالدولار مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، لا يعني شيئًا إذا كانت كلفة الحياة قد ارتفعت بالوتيرة نفسها أو بوتيرة أكبر.
ولهذا، فإن معالجة أزمة الأجور لا يمكن أن تكون عبر زيادة الأرقام فقط، بل تحتاج إلى معالجة أوسع ت شمل الأسعار، والإنتاج، والاستثمار، والنقل، والطاقة، والحماية الاجتماعية، وخلق فرص عمل ذات دخل قادر على مواكبة كلفة المعيشة.
الرقم الذي يجب ألا نعتاد عليه
1,157 دولارًا لأسرة من أربعة أفراد مقابل 312 دولارًا كحد أدنى للأجور.
الفجوة بين الرقمين تختصر جانبًا كبيرًا من الأزمة الاجتماعية في لبنان.
فحين يصبح الدخل أقل بكثير من كلفة الاحتياجات الأساسية، لا يعود السؤال: «هل يستطيع اللبناني أن يعيش برفاهية؟»
بل يصبح السؤال الأكثر قسوة:
هل يستطيع أن يعيش أصلًا بكرامة؟
