هل سبق أن لاحظت أن كلمة جارحة قد تبقى في ذاكرتك لساعات أو حتى أيام، بينما تمرّ عشرات كلمات المديح من دون أن تترك الأثر نفسه؟ أو أن خبراً سيئاً يستحوذ على تفكيرك، حتى بعد أن تنتهي تفاصيله؟
بحسب علماء النفس والأعصاب، قد لا يكون هذا الأمر مجرد تشاؤم أو سمة شخصية، بل يرتبط بآلية طبيعية في الدماغ تُعرف باسم «الانحياز السلبي»، تجعل الإنسان أكثر حساسية للمعلومات والأحداث التي تحمل تهديداً أو طابعاً سلبياً.
لماذا نتعلق بالأخبار والأفكار السلبية؟
يعمل الدماغ باستمرار على استقبال كميات هائلة من المعلومات، لكنه لا يستطيع التعامل معها كلها بالدرجة نفسها من الاهتمام. لذلك، يقوم بعملية انتقاء وتركيز، وغالباً ما تحظى المعلومات المرتبطة بالخطر أو التهديد بأولوية أكبر.
وتفسّر هذه الآلية، جزئياً، سبب قدرة المواقف السلبية على جذب انتباهنا بسرعة. فملاحظة خطر محتمل أو سماع خبر سيئ قد يدفع الدماغ إلى حالة من اليقظة، باعتبار أن تجاهل هذه الإشارة قد تكون له عواقب.
لكن هذه الآلية التي ساعدت الإنسان على التعامل مع المخاطر قد تتحول في الحياة اليومية إلى مصدر للإرهاق النفسي، خصوصاً عندما يستمر العقل في إعادة التفكير في موقف سلبي انتهى بالفعل.
الدماغ لا يلتقط كل شيء
المثير للاهتمام أن دراسة حديثة نشرت في مجلة Psychological Science تشير إلى أن الدماغ قد لا يكون مجرد مستقبل سلبي للمعلومات السلبية، بل يمتلك أيضاً قدرة على تصفيتها.
وخلال الدراسة، وجد الباحثون أن المشاركين الذين كانوا منشغلين بمهمة بصرية كانوا أقل احتمالاً لملاحظة كلمات سلبية عُرضت عليهم بشكل واعٍ.
وقال الباحث الرئيسي غال ر. تشن، من الجامعة العبرية في القدس، إن ما يعتقد الإنسان أنه يلاحظه بوعي لا يتطابق دائماً مع ما يعالجه دماغه بصورة غير واعية.
وهذا يعني أن الدماغ يمتلك آليات للترشيح، وقد يمنع بعض المعلومات من الوصول إلى مستوى الوعي عندما يكون منشغلاً بمهمة أخرى.
تشتيت الانتباه.. أداة لمواجهة السلبية
لا يعني ذلك أن تجاهل المشاعر السلبية هو الحل دائماً، لكن الأبحاث تشير إلى أن توجيه الانتباه بعيداً عن المحفز السلبي قد يكون مفيداً في بعض الظروف.
وأظهرت دراسة سابقة نشرت عام 2014 في مجلة Frontiers in Psychology أن تشتيت الانتباه يمكن أن يقلل من معالجة المعلومات السلبية ومن حدة المشاعر المرتبطة بها.
وفي التجارب، طُلب من المشاركين تنفيذ مهمة تتطلب البحث البصري أثناء تعرضهم لمثيرات وصور سلبية. وأظهرت النتائج أن الانشغال بمهمة أخرى ساعد على تقليل التجربة العاطفية السلبية.
وكان تأثير تشتيت الانتباه أكثر وضوحاً عندما كانت المحفزات السلبية شديدة القوة، إذ بدا أكثر فاعلية من محاولة إعادة تفسير الموقف ذهنياً في بعض الحالات.
كيف يمكن الاستفادة من هذه الآلية؟
قد يكون الحل في بعض المواقف بسيطاً: لا تمنح الفكرة السلبية كل انتباهك.
عندما تجد نفسك عالقاً في التفكير بموقف مزعج، يمكن الانتقال إلى نشاط يتطلب تركيزاً حقيقياً، مثل ممارسة الرياضة، القراءة، إنجاز مهمة عملية أو الانخراط في نشاط يتطلب انتباهاً ذهنياً.
الفكرة ليست الهروب من المشكلة أو إنكار المشاعر، بل منح الدماغ فرصة للخروج من دائرة التركيز المستمر على المحفز السلبي.
وبذلك، قد يساعد توجيه الانتباه إلى نشاط آخر على الحد من سيطرة الأفكار السلبية، خصوصاً عندما تصبح إعادة التفكير فيها متكررة وغير مفيدة.
بين الحماية والإرهاق
الانحياز السلبي ليس بالضرورة عيباً في الدماغ. فهو جزء من آلية تساعد الإنسان على رصد المخاطر والاستجابة لها بسرعة. لكن المشكلة تظهر عندما تستمر هذه الآلية في العمل حتى بعد زوال الخطر.
وتشير الدراسات إلى أن الدماغ أكثر مرونة مما قد نعتقد؛ فهو لا يركز دائماً على السلبيات، بل يستطيع أيضاً تصفية بعض المعلومات وتغيير مستوى الانتباه إليها.
لذلك، قد لا يكون المطلوب أن نتوقف عن التفكير في الأمور السلبية تماماً، وإنما أن نتعلم متى نمنحها انتباهنا ومتى نوجه هذا الانتباه إلى شيء آخر.
وفي عالم تزداد فيه الأخبار المقلقة والمحفزات السلبية التي تحيط بنا يومياً، قد يكون تعلم إدارة الانتباه إحدى الأدوات البسيطة التي تساعد على حماية الذهن من الوقوع في دوامة السلبية المستمرة.
