
طلب رئيس الحكومة نواف سلام من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن ترشّح طهران سفيراً جديداً لها في لبنان، في لقاء جمعهما في نيويورك بحضور وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي ونظيره الإيراني عباس عراقجي، في خطوة تأتي بعد أشهر من أزمة السفير الإيراني السابق محمد رضا شيباني، وتفتح ملف العلاقة بين بيروت وطهران على قاعدة «دولة إلى دولة». وشدّد سلام خلال اللقاء على أن لبنان «لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل»، مؤكداً أن البلاد دفعت ثمناً باهظاً من أمنها واستقرارها واقتصادها. وتكتسب دعوة سلام إلى تعيين سفير جديد دلالتها من كونها تأتي بعد الأزمة التي اندلعت في آذار الماضي حول اعتماد شيباني. فقد سحبت الحكومة اللبنانية موافقتها على اعتماده ومنحته مهلة لمغادرة البلاد، على خلفية ما قالت وزارة الخارجية إنه تدخل في الشؤون السيادية اللبنانية وتنسيق مع «حزب الله» ضد قرارات الحكومة. وتحوّلت قضية السفير آنذاك إلى اختبار للعلاقة بين الدولة اللبنانية وطهران من جهة، وللعلاقة بين الحكومة و«حزب الله» من جهة أخرى. ورفض الحزب قرار سحب الاعتماد، فيما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر دبلوماسي إيراني أن شيباني لن يغادر لبنان استجابة لرغبة رئيس مجلس النواب نبيه بري و«حزب الله». وفي لقاء نيويورك، حاول سلام وضع إطار مختلف للعلاقة مع إيران، إذ أكد أن العلاقات التاريخية بين البلدين والشعبين يجب أن تقوم في المرحلة المقبلة على علاقة «دولة إلى دولة»، وعلى احترام السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقة بين الحكومة و«حزب الله» خلافاً سياسياً متصاعداً حول قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح ومسار التفاوض مع إسرائيل. وكانت الحكومة قد أكدت، في آذار، أن قرار الحرب والسلم يعود حصراً إلى الدولة، وحظرت النشاطات العسكرية والأمنية للحزب وطالبت بحصر السلاح بيد الدولة. كما قال سلام في وقت سابق إن رسالته إلى «حزب الله» هي أن يتصرف كحزب لبناني وأن يعطي الأولوية لدوره الوطني على أي أجندة إقليمية، فيما دعا الحزب الحكومة إلى تغيير مسارها في المفاوضات مع إسرائيل ورفض ما اعتبره إملاءات مرتبطة بـ«اتفاق الإطار». وفي هذا السياق، تبدو مسألة العلاقة مع إيران مرتبطة أيضاً بالسؤال الأوسع حول موقع لبنان في الصراع الإقليمي. فبينما تؤكد الحكومة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون لبنانياً، يواصل «حزب الله» التأكيد على علاقته بإيران وعلى دوره ضمن ما يعتبره محوراً إقليمياً للمقاومة. وفي المقابل، يقول سلام إن لبنان «في غنى» عن الدخول في مغامرات لإسناد إيران، وإن الأولوية هي حماية لبنان واستعادة قرار الحرب والسلم إلى مؤسسات الدولة. وأكد سلام أمام بزشكيان أن أولوية لبنان هي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أراضيه ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، بالتوازي مع بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها. وبذلك، لا يأتي طلب تعيين سفير إيراني جديد منفصلاً عن الخلاف حول طبيعة العلاقة بين لبنان وإيران، بل في لحظة تحاول فيها بيروت تثبيت قنواتها الرسمية مع طهران، مع التشديد في الوقت نفسه على أن هذه العلاقة تمر عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، لا عبر قنوات موازية.
