
في مشهد يعكس التباين المتزايد بين أولويات واشنطن وتل أبيب، بدا أن الساعات الأخيرة حملت رسالتين متعاكستين: إسرائيل وجّهت ضربة للمسار السياسي الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في غزة، فيما وجّه ترامب ضربة للتوقعات الإسرائيلية بشأن توجيه هجوم واسع ضد إيران. ففي غزة، أعرب مبعوث مجلس السلام إلى القطاع، نيكولاي ملادينوف، عن أسفه للغارات الإسرائيلية خلال اليومين الماضيين، والتي قال إنها أوقعت قتلى مدنيين ودمرت إمدادات طبية يعتمد عليها السكان، مؤكداً أن هذه الضربات جاءت في وقت كانت تُبذل فيه جهود مكثفة مع مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة لدفع الفصائل الفلسطينية إلى تنفيذ خارطة الطريق الخاصة بخطة الرئيس ترامب، والتي تتضمن تسليم الإدارة المدنية في غزة ونزع سلاح الفصائل. وأوضح ملادينوف أن فريقه يواصل العمل “على مدار الساعة” مع جميع الأطراف والوسطاء والشركاء الإقليميين لخفض التصعيد وتهيئة الظروف اللازمة لتطبيق الخطة، مشدداً على أن تحقيق سلام دائم “صعب، لكنه ممكن إذا بذل الجميع أقصى جهودهم.” ورغم أن بيان ملادينوف تجنب توجيه اتهام مباشر لإسرائيل، فإن توقيته عكس حجم الإحباط داخل مجلس السلام، بعدما كانت الأوساط الوسيطة تعوّل على موافقة حماس، التي أُعلن عنها الخميس، لإطلاق تنفيذ خطة نزع السلاح، قبل أن تشير إسرائيل إلى أنها لا تؤيد هذه الخطة ولن تتعاون معها، ما وضع مصيرها أمام علامات استفهام كبيرة. وفي السياق نفسه، اتهم القيادي الفلسطيني محمد دحلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالسعي إلى إفشال المبادرة منذ البداية، مؤكداً أن الوسطاء كانوا يتوقعون أن “يبذل نتنياهو كل ما في وسعه لقتل الفرصة التي عمل عليها الرئيس ترامب بالتعاون مع مصر وقطر وتركيا”، معتبراً أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة استهدفت منع انطلاق المسار الذي كان يمكن أن يفتح الباب أمام إنهاء الحرب. وفي المقابل، وعلى الجبهة الإيرانية، جاءت المفاجأة من واشنطن نفسها. فبينما كانت التقديرات في إسرائيل تشير إلى اقتراب تنفيذ هجوم أميركي واسع على إيران، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية أن الرئيس دونالد ترامب قرر إلغاء العملية في اللحظة الأخيرة، بعد تلقيه تأكيدات بوجود إطار تفاهم جديد يهدف إلى إعادة العمل بمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران. وبحسب المعلومات، يعمل الوسطاء على اتفاق يعيد تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ويضمن إعادة فتح مضيق هرمز لمدة ستين يوماً من دون فرض رسوم على الملاحة، في مقابل استئناف العمل بالتفاهمات التي انهارت بعد الخلاف حول إدارة الملاحة في المضيق. وأفادت التقارير أيضاً بأن مفاوضات إيرانية - عُمانية بشأن آلية مشتركة لإدارة مضيق هرمز دخلت مراحلها النهائية، فيما أكد مسؤولون إيرانيون وجود جهود يقودها الوسطاء لإحياء “مذكرة إسلام آباد”، باعتبار أن مستقبل المضيق أصبح العقدة الأساسية في أي تفاهم جديد بين واشنطن وطهران. وفي تطور لافت، ذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن المسؤولين الإسرائيليين علموا بقرار ترامب إلغاء الهجوم من خلال منشوره على منصة “تروث سوشال”، وأن حتى القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) لم تكن على علم مسبق بالقرار. وهكذا، تكشف التطورات الأخيرة عن مفارقة سياسية لافتة: ففي الوقت الذي ترى فيه إدارة ترامب أن الأولوية هي إنجاح مسار التسوية في غزة واحتواء المواجهة مع إيران عبر التفاهمات، تبدو الحكومة الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى مواصلة الضغوط العسكرية في غزة، فيما كانت تراهن على تصعيد أميركي أكبر ضد طهران. وبذلك، يمكن اختصار المشهد بجملة واحدة:إسرائيل نسفت تفاؤل ترامب في غزة… وترامب نسف آمال إسرائيل في إيران.
