
دخلت المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي ترعاها الولايات المتحدة مرحلة مفصلية، بعدما ربط رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إبلاغ واشنطن بالموقف اللبناني النهائي بالحصول على أجوبة الأطراف الداخلية المعنية، وفي مقدمها “حزب الله”، فيما بدا أن الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم حسم موقفه السياسي مسبقاً برفض نتائج المفاوضات ووصفها بأنها “عبثية ومذلة ومخزية”. وقال الرئيس عون إن لبنان سيبلغ الجانب الأميركي موقفه الرسمي فور انتهاء المشاورات الداخلية، مؤكداً أن تنفيذ وقف إطلاق النار قد يبدأ خلال 24 ساعة من الموافقة النهائية وتوافر الضمانات اللازمة. وجاءت مواقف عون خلال استقباله الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان في قصر بعبدا، حيث أعرب عن أمله في أن تفضي المفاوضات الجارية في واشنطن إلى تثبيت وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء معاناة اللبنانيين، ولا سيما أبناء الجنوب. وأكد رئيس الجمهورية أن المرحلة التالية يجب أن تشمل انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها، وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية، وصولاً إلى إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل. وكشف عون أن جولة المفاوضات الأخيرة في واشنطن كانت بالغة الصعوبة، مشيراً إلى أن رئيس الوفد اللبناني السفير سيمون كرم علّق المحادثات خلال إحدى الجلسات قبل أن يتدخل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لإعادتها إلى مسارها. كما أعلن أن لبنان اقترح أن تشمل “المنطقة النموذجية” الأولى قلعة الشقيف ومنطقتي زوطر الشرقية والغربية، ضمن خطة تقوم على انتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة وإقامة نموذج أمني جديد جنوب الليطاني. وأكد أن الاتفاق المطروح يختلف عن تفاهم 27 تشرين الثاني، معتبراً أن الظروف الإقليمية والدولية الحالية فرضت معادلات جديدة، واصفاً ما يجري بأنه “الفرصة الأخيرة”، محذراً من أن فشلها سيجعل كل طرف يتحمل مسؤولية خياراته ونتائجها. لكن بينما كانت بعبدا تتحدث عن انتظار المواقف النهائية، جاءت تصريحات الأمين العام لـ”حزب الله” لتكشف اتجاهاً مختلفاً. ففي بيان أصدره في ذكرى رحيل الإمام الخميني، أكد الشيخ نعيم قاسم أن المقاومة في لبنان استلهمت فكر الثورة الإسلامية في إيران، وشكر طهران على دعمها المستمر للحزب في مواجهة إسرائيل. وفي الإشارة الأكثر مباشرة إلى مفاوضات واشنطن، قال قاسم إن “نتيجة المفاوضات المباشرة العبثية والمذلة والمخزية للبنان مرفوضة جملة وتفصيلاً من شرائح واسعة من الشعب اللبناني”. ويُعد هذا الموقف أول رفض سياسي صريح يصدر عن أعلى قيادة في الحزب للتفاهمات التي يجري البحث فيها، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول إمكانية تبني الدولة اللبنانية لمخرجات المفاوضات أو تطبيق البنود المتعلقة بالمناطق النموذجية وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني. وتكشف التطورات الأخيرة أن المشكلة الأساسية لم تعد تقنية أو مرتبطة بترسيم ترتيبات أمنية، بل باتت تتعلق بجوهر المشروع الذي تطرحه واشنطن. فالخطة الأميركية تقوم على إقامة مناطق تخضع لسيطرة حصرية للجيش اللبناني وإبعاد أي وجود مسلح خارج إطار الدولة، تمهيداً لتوسيع هذا النموذج لاحقاً. أما “حزب الله” فينظر إلى هذه الترتيبات باعتبارها جزءاً من مشروع يستهدف موقعه ودوره العسكري والسياسي في الجنوب. ومن هنا تبدو الهوة واسعة بين مقاربة الدولة اللبنانية التي تسعى إلى الاستفادة من الضمانات الدولية لإنهاء الحرب واستعادة الأراضي المحتلة، وبين رؤية الحزب الذي يعتبر أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تمثل مساراً مرفوضاً من حيث المبدأ. وجاءت مواقف قاسم متزامنة مع تصريحات قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، الذي أكد أن المطلب الأساسي في لبنان هو انسحاب إسرائيل إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل الحرب الأخيرة، مشدداً على استمرار دعم “المقاومة” ومعتبراً أن اللبنانيين “سيلمسون قريباً نتائج صمودهم”. ويعكس هذا التزامن بين موقفي طهران و”حزب الله” أن الملف اللبناني لا يزال جزءاً من الحسابات الإقليمية الأوسع، وأن أي اتفاق لا يحظى بموافقة الحزب وإيران سيواجه صعوبات جدية في التنفيذ.
