
بينما يرفع لبنان الرسمي سقف شعاراته إلى الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي والتحول الرقمي، يبقى اللبناني عالقاً في واقع بنية تحتية لم تتجاوز بعد أزمات الكهرباء والاتصالات والإنترنت. المفارقة باتت أكثر وضوحاً مع التصعيد الرسمي في خطاب التكنولوجيا. فرئيس الجمهورية جوزاف عون يعتبر إنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي خطوة أساسية لوضع لبنان على سكة الاقتصاد الرقمي والمعرفي، ويؤكد أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزء من رؤيته لبناء دولة حديثة. واعتبر عون أن لبنان تأخر في مواكبة هذا المجال، رغم مساهمة اللبنانيين في تطويره خارج البلاد. أما رئيس الحكومة نواف سلام، فقد وضع التحول الرقمي في صلب رؤيته لإعادة بناء الدولة. ففي طرحه لخطة إعادة بناء لبنان، تحدث عن الانتقال إلى «عصر جديد من الحوكمة يقوده الذكاء الاصطناعي»، وعن إطلاق هوية رقمية وطنية، وتطبيق حكومي موحد، ورقمنة السجلات العامة والمحاكم، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الوزارات. لكن السؤال الذي تفرضه هذه الشعارات بسيط: على أي بنية تحتية سيعمل هذا «لبنان الذكي»؟ فبحسب مؤسسة كهرباء لبنان، لا تزال التغذية الكهربائية في حدود أربع ساعات يومياً في المتوسط، فيما تواجه الشبكة نقصاً في قدرات الإنتاج يصل إلى نحو ألف ميغاواط، بما يجعل خطر الانقطاع العام قائماً بشكل يومي، فيما يناضل وزير الطاقة والنفط جو صدي حتى يسمع مجلس الوزراء شكاويه البديهية! ويشكو اللبنانيون، في هذا الوقت، ليس من ارتفاع فاتورة الإنترنت فحسب بل من شبكة بطيئة وخدمة رديئة جدا! وفي بلد يحتاج فيه تشغيل الحاسوب إلى مولد، ويحتاج الإنترنت إلى مصدر طاقة احتياطي، يصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيداً من مجرد إنشاء وزارة أو إطلاق مبادرة تدريب. هنا تظهر المفارقة الأساسية: الدولة اللبنانية تريد أن تنتقل إلى الذكاء الاصطناعي قبل أن تنهي انتقالها إلى الإنترنت السريع، وتريد بناء اقتصاد معرفي فيما الكهرباء نفسها لا تزال خدمة غير "تعبيرية". والسلطة في لبنان، باتت أسوأ من معارضيها: تكثر من الشعارات في كل المجالات وتسقط في الممارسة!
