
يتحوّل ملف «حزب الله» تدريجياً إلى أحد أبرز عناوين المرحلة التي تلت التفاهم الأميركي – الإيراني، في ظل تقاطع ضغوط دولية وإقليمية متزايدة حول مستقبل سلاح الحزب ودوره، وتزايد المؤشرات إلى أن لبنان بات جزءاً من ترتيبات أوسع تتجاوز حدوده. وفي تطور لافت، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنه أجرى اتصالاً بالرئيس السوري أحمد الشرع وبحث معه إمكان التدخل للمساعدة في حل ملف «حزب الله»، في خطوة تعكس إصرار الإدارة الأميركية على منح دمشق دوراً مباشراً في معالجة هذا الملف ضمن الترتيبات الإقليمية الجديدة. لكن هذا التوجه ترافق مع تمسك واشنطن بالدعم الأمني لإسرائيل. فبعد اعتراضات إسرائيلية على أي ضغوط قد تحد من عملياتها العسكرية، أكد ترامب أنه لا يريد من إسرائيل وقف حملتها ضد «حزب الله»، مشدداً على حقها في الدفاع عن نفسها، مع دعوته في الوقت نفسه إلى «استخدام حسن التقدير» في إدارة عملياتها العسكرية، بما يوحي بمنحها هامشاً واسعاً لمواصلة عملياتها ضمن سقف لا يهدد التفاهمات السياسية الأوسع. وفي بيروت، جاء موقف الرئيس جوزاف عون ليؤكد رفض أي تجاوز للدولة اللبنانية في أي تسوية مقبلة. وأمام وفد من المطارنة الموارنة في الاغتراب، شدد عون على أن «لبنان مساره مستقل في المفاوضات»، وأن «التفاوض تقوم به الدولة اللبنانية وهي سيدة قرارها وما من أحد يأخذ مكانها، وأي تسوية ستتم من خلالنا لا على حسابنا». كما أكد أن لبنان يدعم وقف إطلاق النار ويرحب بمساعدة أي دولة، «ومن ضمنها إيران»، شرط أن يبقى القرار النهائي بيد الدولة اللبنانية. وتزامنت هذه المواقف مع إعلان قادة مجموعة السبع دعمهم جهود القيادة اللبنانية لنزع سلاح «حزب الله»، في مؤشر إضافي إلى تنامي الإجماع الدولي على تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. ويأتي هذا الحراك السياسي فيما يشهد الجنوب اللبناني تصعيداً ميدانياً متواصلاً. فقد نفذت إسرائيل سلسلة غارات على بلدات ميفدون وشوكين والنبطية الفوقا وحداثا، أسفرت بحسب المعطيات الأولية عن سقوط قتلى وجرحى، بالتزامن مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة فوق بيروت والضاحية الجنوبية. غير أن أهمية هذه التطورات لا تكمن في بعدها العسكري فقط، بل في التفسير السياسي الذي تقدمه طهران وحلفاؤها لما يجري. فمنذ الإعلان عن التفاهم الأميركي – الإيراني، برز خطاب إيراني واضح يتعامل مع الساحة اللبنانية باعتبارها جزءاً من الاتفاق، لا ملفاً منفصلاً عنه. وفي هذا السياق، وجّه الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم رسالة شكر إلى رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، اعتبر فيها أن إدراج لبنان في التفاهم بين طهران وواشنطن يمثل إنجازاً إيرانياً، مشيداً بالدور الإيراني في ما وصفه بـ«إلزام» إسرائيل وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان. كما شكر الجمهورية الإسلامية الإيرانية على «ربط ساحة لبنان كمقاومة وشعب بقوة الاستعداد للتضحية وإرغام إسرائيل على وقف العدوان»، في موقف يعكس بوضوح تبني الحزب للرواية الإيرانية التي تنظر إلى لبنان بوصفه جزءاً من معادلة التفاوض الإقليمي. كما واصل مسؤولون إيرانيون الربط بين التطورات في الجنوب اللبناني ومسار التفاهم مع الولايات المتحدة، ملوحين بردود على أي تصعيد إسرائيلي، في ما يعكس محاولة إيرانية لتكريس دور مباشر في إدارة الملف اللبناني ضمن إطار التفاهمات المستجدة. وتكتسب هذه المواقف أهمية إضافية في وقت لا تزال فيه أجزاء من الجنوب اللبناني تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما تستمر الغارات والاستهدافات والمواجهات الميدانية، الأمر الذي يجعل لبنان ساحة تتضارب فوقها ثلاثة مسارات متوازية. المسار الأول تقوده واشنطن التي تدفع نحو دور سوري في معالجة ملف «حزب الله» وإعادة ترتيب التوازنات اللبنانية. أما المسار الثاني فتقوده إسرائيل التي تتمسك بحقها في مواصلة عملياتها العسكرية تحت عنوان «الدفاع عن النفس» وبغطاء أميركي واضح. فيما يتمثل المسار الثالث بإيران التي تتعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها جزءاً من نفوذها الإقليمي ومن التفاهم الذي تفاوضت عليه بنفسها مع الولايات المتحدة. وبين هذه المسارات المتنافسة، يحاول الرئيس جوزاف عون تثبيت معادلة مختلفة عنوانها أن لبنان ليس جزءاً من تفاوض الآخرين، وأن أي تسوية تتعلق بمستقبله يجب أن تمر عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، لا عبر العواصم المنخرطة في إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
