
تتجمع في الشرق الأوسط مؤشرات متزامنة على إعادة ترتيب النفوذ، مع تصاعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية على إيران وحلفائها، واحتدام النقاش حول السلاح الموازي للدولة في العراق ولبنان، فيما دخلت سوريا مرحلة جديدة من التنافس الإسرائيلي ـ التركي. في إيران نفسها، بدأت آثار الضغط الأميركي تظهر في الخطاب الرسمي. فالرئيس مسعود بزشكيان تحدث بلهجة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها بلاده، مؤكداً أن استمرار الحصار الأميركي بات غير قابل للتحمل، وأن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الحرب ورفع القيود عن إيران. وفي المقابل، جاء كلام رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف من بغداد أكثر وضوحاً في توصيف الجانب الاقتصادي للأزمة، إذ دعا إلى ابتكار وسائل وخطط تساعد بلاده على تجاوز العقوبات الأميركية، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع العراق واستخدام العملات المحلية لتقليص الاعتماد على الدولار. وتكشف مواقف بزشكيان وقاليباف أن العقوبات لم تعد مجرد عنوان في المواجهة السياسية مع واشنطن، بل تحولت إلى ضغط اقتصادي يفرض على القيادة الإيرانية البحث عن قنوات بديلة للحركة والتجارة والتمويل. في لبنان، يترافق مسار التفاوض حول الجنوب مع ضغط أميركي متصاعد على حزب الله. فقد وسّعت واشنطن عقوباتها على شبكات مالية مرتبطة بالحزب، في خطوة تعكس توجهاً إلى تجفيف مصادر تمويله ومحاصرته مالياً وسياسياً، ودفع الدولة اللبنانية إلى تشديد الرقابة على شبكاته المالية. وفي الوقت نفسه، يبقى ملف السلاح في صلب المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية وترتيبات الجنوب، مع محاولة بيروت تثبيت الجيش اللبناني باعتباره القوة الأمنية الوحيدة هناك. أما العراق، فجاءت زيارة قاليباف إلى بغداد في لحظة حساسة، مع تصاعد الضغط لحصر السلاح بيد الدولة. وحملت مواقفه دفاعاً واضحاً عن «المقاومة»، بما يؤكد أن طهران لا تريد التخلي عن نفوذها العراقي، فيما تحاول بغداد تثبيت قرارها السيادي وإدارة علاقتها مع إيران والولايات المتحدة في آن واحد. وفي سوريا، تحولت قاعدة أبو الظهور إلى عنوان للتنافس الإسرائيلي ـ التركي. فالضربة الإسرائيلية لم تعد تُقرأ كعملية عسكرية منفردة، بل كرسالة إلى أنقرة بأن أي بناء عسكري تركي داخل سوريا قد يواجه برد إسرائيلي. وفي المقابل، تتحرك دمشق لتوسيع علاقاتها، وجاءت زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى باكستان في توقيت يعزز هذا الاتجاه. وفي السعودية، يضيف التصعيد الحوثي على البحر الأحمر وباب المندب خطراً جديداً على أمن المملكة والملاحة الإقليمية، فيما تحاول الرياض تجنب الانجرار إلى حرب يمنية جديدة.

