
دخل ملف انفجار مرفأ بيروت مرحلة حاسمة، مع تسلّم المحقق العدلي طارق البيطار مطالعة المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، التي أُنجزت بعد انتهاء التحقيقات، تمهيداً لاستكمال الإجراءات وإصدار القرار الاتهامي في القضية، وسط معطيات تشير إلى أن المسار القضائي يتجه إلى هذه المرحلة في تشرين الأول المقبل. ولم تُنشر المطالعة بعد، أي رأي النيابة العامة في الوقائع والمدعى عليهم، لكن بدأت تصدر تسريبات من مصادر عدة، كان أبرزها ما نشرته قناة «الحدث» السعودية نقلاً عن مصادر مطلعة، ومفاده أن مطالعة صعب تعتبر أن الرئيس اللبناني السابق ميشال عون كان «مهملاً» في قضية انفجار المرفأ. غير أن وكالة الصحافة الفرنسية كشفت، في تقرير نشرته اليوم، معطى أكثر تحديداً، إذ نقلت عن مسؤول قضائي أن المدعي العام لدى محكمة التمييز طلب من المحقق العدلي طارق البيطار توجيه الاتهام إلى الرئيس السابق عون في قضية انفجار المرفأ. وبحسب المسؤول القضائي، فإن طلب الاتهام يستند إلى أن عون كان على علم مسبق بوجود نيترات الأمونيوم في المرفأ وبخطورتها، «من دون اتخاذ الإجراءات اللازمة» أو إحالة الأمر إلى المجلس الأعلى للدفاع. ويشكل هذا المعطى تطوراً بارزاً في الملف، خصوصاً أن عون ليس مدعى عليه في القضية حتى الآن، كما أن إدراج مسؤوليته في مطالعة النيابة العامة لا يعني أن قراراً اتهامياً صدر بحقه، إذ إن صلاحية توجيه الاتهام تبقى للمحقق العدلي طارق البيطار. وتكتسب مسألة مسؤولية عون أهمية دستورية وقانونية خاصة. فالمادة 60 من الدستور اللبناني تنص على أنه «لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى»، فيما تخضع مسؤوليته عن الجرائم العادية للقوانين العامة. ولا يمكن اتهامه في هذه الحالات إلا من قبل مجلس النواب بقرار يصدر بغالبية ثلثي مجموع أعضائه، على أن يحاكم أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة 80. وبناءً على ذلك، يستطيع القضاء عرض الوقائع والإشارة إلى المسؤوليات المحتملة ضمن سياق التحقيق، فيما يبقى تحديد المسار الدستوري والقضائي لمسؤولية رئيس الجمهورية خاضعاً للأحكام الدستورية ذات الصلة. وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، لا تقتصر مطالعة صعب على تقييم مسؤولية شخص أو اثنين، بل تحدد مسؤوليات أكثر من 70 مدعى عليهم، بينهم سياسيون حاليون وسابقون ومسؤولون أمنيون وعسكريون وموظفون، وبعضهم سبق للبيطار أن ادعى عليهم. وهذه النقطة تعني أن المطالعة لا تقدم مجرد رأي عام في ظروف الانفجار، بل تتناول المسؤولية الفردية لأشخاص محددين، على أن يبقى للبيطار القرار النهائي في شأن الاتهامات التي سيضمّنها في قراره الاتهامي. وكان البيطار قد استجوب عدداً من المسؤولين السياسيين والأمنيين والعسكريين والقضاة كمدعى عليهم، من بينهم رئيس الحكومة السابق حسان دياب، والوزير السابق نهاد المشنوق، والوزير السابق علي حسن خليل، والوزير السابق يوسف فنيانوس، والنائب السابق غازي زعيتر، والمدير العام السابق للأمن العام عباس إبراهيم، والمدير العام السابق لأمن الدولة طوني صليبا، وقائد الجيش السابق جان قهوجي، إضافة إلى عدد من الضباط والموظفين والقضاة. أما على مستوى الإجراءات القائمة، فتبقى مذكرتا التوقيف الغيابيتان بحق كل من النائبين السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر قائمتين من الناحية القانونية. وكان التحقيق في الملف قد دخل في مواجهة طويلة مع عوائق سياسية وقانونية منذ عام 2023، بعد حملة قادها «حزب الله» للمطالبة بتنحية البيطار، بالتزامن مع دعاوى استهدفت إبعاده عن الملف. إلا أن البيطار استأنف تحقيقاته مع تغير موازين القوى في لبنان، فيما أزيلت بعض العوائق القانونية التي كانت تعرقل عمله. وعلى مستوى الوقائع، أدى انفجار 4 آب 2020 إلى مقتل أكثر من 220 شخصاً وإصابة أكثر من 6500، فيما دُمّرت أجزاء واسعة من العاصمة. وأظهرت التحقيقات أن كميات ضخمة من نيترات الأمونيوم كانت مخزنة في العنبر الرقم 12 بصورة غير آمنة لسنوات، رغم التحذيرات المتكررة لمسؤولين كبار. وعلى الرغم من مرور أكثر من ست سنوات على الانفجار، لم يُحاسب أي مسؤول بصورة نهائية، فيما لا تزال عائلات الضحايا تطالب بكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات في واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ لبنان الحديث. أما على مستوى الجدول الزمني، فقد سبق لوزير العدل عادل نصار أن أعلن أن المسار القضائي في الملف يتجه إلى إنجاز مراحله خلال شهر تشرين الأول، أو في أواخره، تمهيداً للوصول إلى القرار الاتهامي.

