في تطور يمكن أن يشكل أحد أهم التحولات في مسار سوريا الجديدة، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مظلوم عبدي، الثلاثاء، انتهاء مهمة القوات وحلّها كقوة عسكرية مستقلة، إل ى جانب حلّ الإدارة الذاتية والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها واندماجها في مؤسسات الدولة السورية.
وجاء الإعلان من قصر الشعب في دمشق، عقب لقاء عبدي بالرئيس السوري أحمد الشرع، وبعد يوم واحد فقط من قرار الولايات المتحدة رفع سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، منهية تصنيفاً أميركياً استمر نحو 47 عاماً.
وقال عبدي إن «الظروف تغيرت اليوم»، وإن سوريا دخلت مرحلة جديدة عنوانها السلام والاستقرار وبناء الدولة، معلناً الانتقال «من ساحات المعارك إلى ساحات البناء، ومن زمن السلاح إلى زمن السلام».
نهاية كيان عسكري وإداري استمر أكثر من عقد
يمثل القرار نهاية الوجود المستقل لـ«قسد»، التي تأسست عام 2015 بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وأصبحت القوة الرئيسية التي اعتمدت عليها واشنطن في الحرب ضد تنظيم «داعش».
وخلال سنوات الحرب، تمكنت «قسد» من السيطرة على مناطق واسعة في شمال شرقي سوريا، وأدارت إلى جانبها «الإدارة الذاتية» منظومة مدنية وأمنية وعسكرية مستقلة عن دمشق.
وبموجب التطور الجديد، تنتقل هذه البنية إلى مؤسسات الدولة السورية، في إطار مسار بدأ باتف اق بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي في مارس 2025، ونص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة، بما يشمل المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز.
من المواجهة إلى الاندماج
لم يكن الطريق إلى هذه اللحظة سهلاً. فقد تعثرت عملية تنفيذ الاتفاق الأول، قبل أن تؤدي مواجهات عسكرية مطلع العام إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار وبدء عملية دمج متدرجة للقوات والمؤسسات.
وفي الأشهر الماضية، انتقلت أجزاء من عملية الدمج من التفاوض إلى التنفيذ، مع دخول مؤسسات الدولة وقواتها إلى مناطق كانت تحت نفوذ «قسد»، وتسليم منشآت وحقول نفط وغاز ومواقع حيوية، فيما جرى دمج عناصر من القوات الكردية في تشكيلات الجيش السوري.
وكان إعلان عبدي الأخير بمثابة تثبيت سياسي للمرحلة الجديدة، التي لم تعد فيها «قسد» قوة عسكرية مستقلة أو الإدارة الذاتية كياناً منفصلاً عن دمشق.
ماذا بقي للأكراد؟
لكن انتهاء «قسد» لا يعني انتهاء القضية الكردية.
فعبدي أكد أن الرئيس أحمد الشرع أبدى موقفاً منفتحاً بشأن حق التعليم باللغة الكردية، وهو أحد أبرز المطالب التي سعى الأكراد إلى تثبيتها خلال السنوات الماضية.
وكان اتفاق مارس 2025 قد نص على اعتبار المجتمع الكردي «مجتمعاً أصيلاً في الدولة السورية»، وضمان حقوقه في المواطنة والحقوق الدستورية، إلى جانب رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية.
وبذلك، تصبح المعادلة الجديدة مختلفة جذرياً: لا قوة عسكرية كردية مستقلة ولا إدارة ذاتية منفصلة، مقابل إدماج المقاتلين والمؤسسات في الدولة ومحاولة تثبيت الحقوق الكردية داخل النظام السوري الجديد.
واشنطن تفتح الباب ودمشق تستعيد الدولة
وجاء الإعلان بعد ساعات من خطوة أميركية كبيرة تجاه دمشق.
فقد أعلنت الولايات المتحدة إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب بعد انتهاء فترة المراجعة التي فرضها الكونغرس، كما ألغت تصنيف «هيئة تحرير الشام» كمنظمة إرهابية عالمية محددة.
ووصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة بأنه «تطور تاريخي»، معتبراً أن المسار الجديد يقوم على «جيش واحد وحكومة واحدة ودولة واحدة».
وهكذا، يأتي حل «قسد» في لحظة تتسارع فيها عملية إعادة تشكيل سوريا: واشنطن ترفع عن دمشق واحداً من أقدم أثقال العزلة الأميركية، و«قسد» تتخلى عن كيانها العسكري والإداري المستقل، فيما تعمل السلطة الجديدة على تثبيت سيط رتها على كامل الأراضي السورية.
لكن السؤال الحقيقي يبدأ الآن: هل انتهت قضية أكراد سوريا بانتهاء «قسد»، أم أنها دخلت مرحلة جديدة عنوانها الحقوق والضمانات الدستورية داخل الدولة السورية؟
فبعد أكثر من عقد من الحكم الذاتي الفعلي، لم يعد التحدي الكردي عسكرياً بالدرجة الأولى، بل أصبح اختباراً سياسياً: كيف ستُترجم الوعود بالحقوق الثقافية واللغوية والمواطنة إلى واقع داخل سوريا الموحدة؟
