لم يعد الخلاف العراقي-الإيراني حول تسمية الخليج مجرد سجال دبلوماسي عابر. فقد انتقل الجدل هذه المرة إلى اسم العراق نفسه، وأصول بغداد، والهوية التاريخية والجغرافية لبلاد الرافدين، بعدما نشرت بعثات دبلوماسية إيرانية في الخارج مواد أثارت غضب بغداد ودَفعت وزارة الخارجية العراقية إلى استضافة السفير الإيراني محمد كاظم آل صادق للاستيضاح.
وبحسب بيان الخارجية العراقية، استضاف وكيل الوزارة للشؤون متعددة الأطراف والشؤون القانونية، السفير شورش خالد سعيد، السفير الإيراني، للاستفسار عن منشورات نشرتها مواقع بعض البعثات الإيرانية في الخارج تتعلق بخرائط المنطقة، وما رافقها من مواقف وتعليقات قالت بغداد إنها «لا تناسب عمق العلاقة» بين البلدين.
من أين بدأ الخلاف؟
تزامنت القضية مع سجال علني بين رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف.
خلال زيارة قاليباف إلى بغداد في 19 أغسطس/آب، ظهر في صورة أمام خريطة تحمل تسمية «الخليج الفارسي». وفي اليوم التالي، نشر الحلبوسي صورة له أمام خريطة تحمل تسمية «الخليج العربي»، في خطوة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها رداً على نظيره الإيراني.
لكن القضية لم تتوقف عند اسم «العراق» كلمة فارسية؟
نشرت السفارة الإيرانية في كينيا مادة تناولت أصول أسما ء «العراق» و«بغداد»، وقالت إن كلمة «العراق» كلمة فارسية تعني، وفق تفسيرها، «السهل» أو «الأرض المنخفضة»، وإن «بغداد» تعني «عطاء الله» أو «الموهوب من الله».
وأرفقت المادة بخريطة تحمل تسمية «الخليج الفارسي» وبصورة لرئيس مجلس النواب العراقي.
وهنا اكتسب المنشور بعداً سياسياً يتجاوز النقاش اللغوي؛ إذ جاء من حساب رسمي لبعثة دبلوماسية إيرانية، وفي لحظة كان فيها الخلاف حول تسمية الخليج قد خرج بالفعل إلى العلن بين مسؤولين عراقيين وإيرانيين.
لماذا اعتبرت بغداد الأمر مساساً بالسيادة؟
الخارجية العراقية لم تدخل في السجال اللغوي حول أصل كلمة «العراق»، لكنها اعتبرت أن المنشورات والخرائط وما رافقها من تعليقات تستوجب التوضيح، وشددت على ضرورة تجنب أي مواقف من شأنها الإساءة إلى العلاقات بين البلدين.
كما أكد المسؤول العراقي أهمية معالجة الخلافات والقضايا الإقليمية عبر القنوات الدبلوماسية والحوار، مع استمرار التنسيق بين بغداد وطهران بشأن التطورات الإقليمية.
وهذا مهم: البيان العراقي الرسمي لا يتحدث عن مطالبة إيرانية بحقوق إقليمية في العراق، ولا يصف المنشورات بأنها مطالبة بذلك. لذلك فإن الانتقال من مضمون المنشورات إلى القول إن إيران «تطعن رسمياً في عروبة العراق» يحتاج إلى قدر من التحفظ.
لكن لماذا أصبحت «عروبة بلاد الرافدين» جزءاً من المعركة؟
لأن المسألة لم تعد محصورة في لفظ «فارسي» أو «عربي».
فعندما توضع خريطة تحمل تسمية «الخليج الفارسي» إلى جانب مادة تتناول أصول اسم العراق وبغداد، وفي سياق سجال سياسي حول تسمية الخليج، يصبح الموضوع بالنسبة إلى بغداد أكثر حساسية من مجرد بحث لغوي.
في المقابل، فإن أصل اسم العراق ليس حقيقة محسومة باتجاه واحد، ولا يمكن اعتبار ما نشرته السفارة الإيرانية دليلاً تاريخياً نهائياً على أن الاسم «فارسي». المسألة لها تفسيرات ونظريات لغوية وتاريخية متعددة، ولذلك يجب الفصل بين الادعاء الذي نشرته السفارة وبين حقيقة تاريخية مثبتة.
الخلاف على تسمية الخليج سبق أن تسبب بأزمة دبلوماسية مباشرة بين بغداد وطهران.
ففي يناير/كانون الثاني 2023، استدعت إيران السفير العراقي لديها احتجاجاً على استخدام العراق تسمية «الخليج العربي» خلال فعاليات «خليجي 25» في البصرة، وأكدت طهران حينها تمسكها بتسمية «الخليج الفارسي».
لكن الجديد في المواجهة الحالية هو أن السجال اتسع من اسم الخليج إلى أسماء العراق وبغداد نفسها، ثم انتقل من وسائل التواصل إلى وزارة الخار جية العراقية.
هل تتجه الأزمة إلى التصعيد؟
حتى الآن، المؤشرات الرسمية لا توحي بأزمة دبلوماسية مفتوحة.
فبعد استضافة السفير الإيراني، شددت الخارجية العراقية على استمرار التشاور والتنسيق، بينما أكد آل صادق استعداد بلاده لمواصلة التعاون مع العراق، مشيراً إلى عمق العلاقات التاريخية والاجتماعية بين البلدين. (a5r5br.net)
لكن الواقعة تكشف شيئاً أعمق: في العراق وإيران، لا تبدو الخرائط والأسماء مجرد تفاصيل لغوية. فاسم الخليج، واسم العراق، واسم بغداد، كلها مرتبطة بتاريخ المنطقة وبالهوية والسيادة وبالصراع على رواية الماضي.
ولهذا، فإن ما بدأ بصورة وخريطة على حساب دبلوماسي إيراني وصل سريعاً إلى مكتب الخارجية العراقية.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط: من أين جاء اسم «العراق»؟ بل أيضاً: متى تتحول قراءة التاريخ واللغة إلى رسالة سياسية بين دولتين متجاورتين؟
