"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

عن تواصل "حزب الله" مع الاميركيين!

نيوزاليست
الأحد، 23 أغسطس 2026

عن تواصل "حزب الله" مع الاميركيين!

أعاد المبعوث الأميركي إلى سوريا ولبنان توم برّاك رسم حدود الموقف الأميركي من «حزب الله» بعد الجدل الذي أثارته تصريحاته الأخيرة، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تتفاوض مع الحزب، وأن أي تفاوض أميركي يجري مع الحكومة اللبنانية بوصفها السلطة الشرعية. وقال إن «حزب الله» مصنّف منظمة إرهابية أجنبية، وإن كلامه السابق عن غياب الحزب وإيران عن طاولة التفاوض كان توصيفاً لتعقيدات الملف، وليس اقتراحاً لإنشاء طاولة تفاوض جديدة تضمّهما.

هذا التوضيح الأميركي يضيف بعداً جديداً إلى الجدل الذي أثاره موقف عضو المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي، الذي قال إن الحزب لم يغلق الباب نهائياً أمام التواصل المباشر مع الأميركيين، وإن القرار في هذا الشأن يرتبط بالمصلحة والظروف المناسبة.

وتكتسب تصريحات قماطي أهميتها من كونها جاءت بعد سنوات من اعتماد «حزب الله» خطاباً شديد العداء للولايات المتحدة، ومن دون أن يصدر عن الدائرة الإعلامية للحزب نفي لمبدأ التواصل مع واشنطن. وقد اقتصرت التوضيحات على الإشارة إلى أن المقصود بكلام قماطي هو مسار إسلام آباد، وليس مسار واشنطن، في سياق البحث عن تحرير كامل الأراضي اللبنانية وانسحاب إسرائيل منها.

لكن موقف برّاك الأخير يضع حداً واضحاً لأي قراءة توحي بأن واشنطن مستعدة للانتقال إلى تفاوض مباشر مع الحزب. فبالنسبة إلى الإدارة الأميركية، الطرف اللبناني الذي تتفاوض معه هو الدولة اللبنانية ومؤسساتها، فيما يبقى «حزب الله» خارج طاولة التفاوض الرسمية.

رسائل غير مباشرة إلى واشنطن

بحسب مصادر متعددة تدور في فلك «الثنائي الشيعي»، وبعضها أقرب إلى «حزب الله» من حركة «أمل»، فإن كلام قماطي لم يكن عفوياً أو مجرد اجتهاد شخصي، بل جاء في سياق موقف مدروس.

وتشير المصادر إلى أن عدم تدخل الدائرة الإعلامية للحزب لنفي أصل كلام قماطي بشأن إمكان التواصل مع الأميركيين يحمل دلالة بحد ذاته، خصوصاً أن الرجل لطالما عُرف بمواقفه الصلبة تجاه واشنطن وخصوم الحزب في الداخل.

وكان قماطي قد ظهر في الأشهر الماضية في موقع رأس الحربة في الهجوم على رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مهدداً بالنزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة، ورافضاً تسليم سلاح «حزب الله» للدولة وتكريس حصرية السلاح بيدها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما الذي تبدّل حتى يصبح التواصل مع الأميركيين ممكناً بعدما كانت الولايات المتحدة توصف في خطاب الحزب بأنها «الشيطان الأكبر»؟

وتقول المصادر نفسها إن رسائل جرى تبادلها بين قيادة الحزب وواشنطن عبر وسطاء محليين، فضلاً عن قنوات مع تركيا وقطر، رافضة تحديد أسماء الوسطاء. ولم تستبعد حصول لقاءات غير مباشرة، وربما تطور التواصل إلى أبعد من ذلك.

غير أن كلام برّاك الأخير يفرض التمييز بين التواصل والتفاوض: فقد تكون هناك قنوات ورسائل واختبارات مواقف، لكن ذلك لا يعني، وفق الموقف الأميركي المعلن، اعتراف واشنطن بالحزب طرفاً تفاوضياً رسمياً.

بري لا يزال صاحب التفويض

وتشير المصادر إلى أن الحزب كان يتجنب التعليق على أي تواصل غير مباشر مع واشنطن، كما كان يمتنع عن تأكيد أو نفي ما كانت تتناقله وسائل إعلام لبنانية وأجنبية في هذا الشأن.

وتستشهد بموقف النائب حسن فضل الله الذي، عندما سُئل في مناسبات سابقة عن صحة وجود تواصل بين الحزب والولايات المتحدة، لم ينفِ ولم يؤكد، بما أبقى الباب مفتوحاً أمام احتمالات عدة.

وتفسر المصادر ذلك برغبة قيادة الحزب في عدم التشويش على تفويض رئيس مجلس النواب نبيه بري بإدارة الملف التفاوضي نيابة عنها. وكان بري قد تولى التواصل مع الوسيط الأميركي السابق آموس هوكستين، وصولاً إلى التفاهم الذي أفضى إلى وقف الأعمال العدائية، في أعقاب البيان المشترك الأميركي ـ الفرنسي.

وبحسب المصادر، لا يزال هذا التفويض قائماً، انطلاقاً من اعتبار بري الأقدر على إدارة قنوات التواصل محلياً وعربياً ودولياً في كل ما يتعلق بالملف اللبناني، ولكن تحت سقف التفاهم مع قيادة الحزب.

في المقابل، تبدي قيادة حركة «أمل» تحفظاً على بعض المواقف النارية التي صدرت عن قماطي، ولا سيما هجومه على عون وسلام وتهديده بالنزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة. وفي هذا السياق، يحرص بري على إبقاء السلم الأهلي خطاً أحمر، وعدم السماح بتحويل الخلاف السياسي حول سلاح الحزب إلى عامل تفجير داخلي.

التواصل مع واشنطن ولكن بعيداً من الأضواء

وتقول المصادر إن «حزب الله» لا يمانع التواصل مع واشنطن عبر وسطاء، شرط أن يبقى بعيداً من الأضواء، ولا سيما إذا كان هذا التواصل يشمل إيران، التي يفترض أنها جزء من المسار المرتبط بـ«مذكرة التفاهم» التي تم التوصل إليها بوساطة باكستانية.

ومن هذا المنطلق، تضع المصادر تواصل الحزب غير المباشر في سياق تأييده لمسار إسلام آباد، في مقابل استمرار اعتراضه على «اتفاق الإطار».

لكن موقف برّاك الأخير يعيد ترتيب هذه المعادلة. فواشنطن تقول بوضوح إنها لا تفاوض الحزب، ما يعني أن أي تفاهم سياسي أو أمني يتعلق بسلاحه يجب أن يمر عبر الدولة اللبنانية، حتى لو كانت واشنطن تدرك أن تنفيذ أي اتفاق على الأرض يحتاج إلى معالجة نفوذ الحزب وقدراته وعلاقته بإيران.

وهنا تكمن المفارقة: الحزب يترك باب التواصل موارباً، بينما واشنطن تترك باب الاتصالات مفتوحاً ولكنها تغلق باب التفاوض المباشر.

ماذا عن تلال علي الطاهر؟

ولا تقتصر الأسئلة التي أثارها كلام قماطي على التواصل مع واشنطن. فقد قال إن عدم الرد على كل اعتداء إسرائيلي يستهدف علي الطاهر لا يعني ضعفاً أو عجزاً، وإن أي محاولة إسرائيلية للتقدم باتجاه التلال ستواجه بمقاومة تتناسب مع طبيعة التطور الميداني، مع دراسة الحزب لجميع الخيارات المتعلقة بالوضع.

وهنا تطرح مصادر سياسية سؤالاً آخر: ماذا يعني إعلان قماطي أن الحزب يدرس «جميع الخيارات»؟

هل يشمل ذلك استعداداً، ولو في إطار البحث الداخلي، لوضع تلال علي الطاهر بعهدة الجيش اللبناني، خلافاً لموقف الحزب السابق؟ أم أن المقصود إبقاء هذه الورقة في عهدة بري، باعتباره الجهة المخولة بالتفاوض نيابة عن الحزب؟

وتربط المصادر حسم هذا الملف بمدى نجاح أي قناة تواصل مع واشنطن في فتح ثغرة سياسية يمكن أن تسمح للحزب بالانخراط في تسوية أوسع، بما فيها مسألة التلال وحصرية السلاح بيد الدولة.

في المقابل، يبقى احتمال آخر قائماً، وهو استمرار الحزب في ربط مصير هذه المناطق بالمسار الإقليمي وبـ«مذكرة التفاهم» الأميركية ـ الإيرانية.

هل نحن أمام تغيير في قواعد اللعبة؟

بعض خصوم الحزب لم يتعاملوا مع كلام قماطي باعتباره زلة لسان أو هفوة سياسية، بل رأوا فيه موقفاً مدروساً بعناية، يعكس استعداداً لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع واشنطن، ولو بصورة غير مباشرة.

لكن التوضيح الذي صدر عن برّاك يضع سقفاً واضحاً لهذا الانفتاح: لا تفاوض أميركياً مباشراً مع «حزب الله»، ولا طاولة مستقلة له خارج الدولة اللبنانية.

وهذا لا يعني بالضرورة أن واشنطن لا تريد معالجة ملف الحزب، بل يعني أنها تريد أن تتم معالجة هذا الملف عبر الحكومة اللبنانية، مع الإقرار بأن السلاح المرتبط بإيران يجعل أي حل أكثر تعقيداً.

وبحسب هذا الطرح، فإن أي تسوية داخلية تحتاج إلى أن يكون الحزب جزءاً من الواقع الذي يجري التعامل معه، لكن ليس بالضرورة طرفاً على طاولة التفاوض الأميركية. وفي المقابل، تحتاج الدولة اللبنانية إلى امتلاك القدرة السياسية والأمنية على تحويل أي تفاهم إلى قرار قابل للتنفيذ.

وهنا يصبح السؤال الأساسي: هل يفتح «حزب الله» باب التواصل مع واشنطن تمهيداً لتسوية، أم أنه يستخدم قنوات الاتصال لإدارة الأزمة من دون تقديم تنازلات جوهرية؟ وهل تستطيع الدولة اللبنانية أن تكون فعلاً الطرف الذي تتفاوض معه واشنطن، لا مجرد واجهة لاتفاق يحتاج في النهاية إلى موافقة قوى الأمر الواقع؟

في هذه النقطة تحديداً، قد يكون كلام برّاك أهم من تصريح قماطي نفسه: فواشنطن تقول إنها لا تفاوض «حزب الله»، لكنها في الوقت ذاته تتعامل مع حقيقة أن أي تسوية لبنانية لا يمكن أن تتجاهل وجوده ونفوذه وسلاحه وعلاقته بإيران.

وهكذا، لا يبدو أن قواعد اللعبة تغيّرت بالكامل، لكن حدود اللعبة أصبحت أكثر وضوحاً: اتصالات ممكنة، ووسطاء محتملون، ورسائل متبادلة، لكن التفاوض الأميركي الرسمي يبقى مع الدولة اللبنانية وحدها.

المقال السابق
منشورات «بالدم» في جزين تشعل المواجهة حول قانون العفو
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

نصف مليون حبة كبتاغون خلال 48 ساعة بين لبنان وسوريا… وملاحقة شبكات التهريب والتصنيع تتوسع

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية