لم تأتِ إعادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نشر الخريطة التي تصف مضيق هرمز بأنه «أرض أميركية جديدة» في توقيت عابر. فالصورة، التي نشرها ترامب للمرة الأولى في 18 آب، تعود الآن إلى الواجهة بالتزامن مع انتقال المواجهة مع إيران إلى مرحلة جديدة من الضغط الاقتصادي والسياسي.
قبل أيام، أعلن ترامب ما سماه «اليوم الاقتصادي» ضد إيران، متوعداً بحملة من «الحرب الاقتصادية والعزلة على نطاق غير مسبوق». ثم أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الولايات المتحدة تستعد لفرض «أقسى العقوبات في التاريخ» على إيران، متحدثاً عن استراتيجية تجمع العقوبات والضغط على شرايين الاقتصاد الإيراني، ومشيراً إلى أن الهدف هو دفع النظام الإيراني نحو الانهيار.
في هذا السياق تحديداً، تصبح صورة هرمز أكثر من مجرد منشور على منصة «تروث سوشال».
ترامب يريد أن يربط بين خنق إيران اقتصادياً ومحاصرتها استراتيجياً. فالعقوبات تستهدف قدرة طهران على إنتاج المال والتجارة والحصول على العملات والأسواق، بينما يمثل مضيق هرمز إحدى أهم أوراق القوة التي تستطيع إيران استخدامها في مواجهة الولايات المتحدة، نظراً إلى موقعه في قلب حركة الطاقة والتجارة العالمية.
ولهذا تبدو إعادة نشر الخريطة بمثابة رسالة سياسية تقول إن واشنطن لا تريد أن تبقى هرمز ورقة إيرانية تستخدمها طهران لرفع كلفة المواجهة.
المعنى الأوسع هو أن ترامب يحاول تغيير السؤال نفسه.
بدلاً من أن يكون السؤال: هل ستفتح إيران مضيق هرمز؟ يريد أن يصبح: من يملك القدرة على التحكم به؟
وهنا تكمن أهمية العبارة التي وضعها ترامب على الخريطة: «أرض أميركية جديدة».
هي صياغة شديدة القوة، لأنها تنقل خطاب ترامب من الحديث عن حرية الملاحة وحماية السفن إلى الحديث عن النفوذ والسيطرة. وحتى لو لم تكن الخريطة إعلاناً عن خطوة محددة، فإن تكرارها يرسخ في الخطاب السياسي الأميركي فكرة أن الولايات المتحدة تريد أن تكون صاحبة اليد العليا في هرمز.
والتوقيت ليس أقل أهمية من العبارة.
فإعادة نشر الخريطة جاءت بعد الإعلان عن أكبر حملة اقتصادية أميركية جديدة ضد إيران، وفي وقت يقول فيه بيسنت إن واشنطن تستعد لعقوبات غير مسبوقة، وإنها تريد من الدول والشركات التي تتعامل مع إيران أن تختار بين الاستمرار في تجارتها مع طهران وبين مواجهة الضغط الأميركي.
بمعنى آخر، واشنطن تضغط على إيران من الداخل، فيما يرسل ترامب رسالة حول هرمز من الخارج.
وهذا هو جوهر استراتيجية الضغط الجديدة.
فالولايات المتحدة لا تريد فقط أن تجعل إيران تدفع ثمناً اقتصادياً لاستمرار المواجهة، بل تريد أيضاً تقليص قدرتها على استخدام موقعها الجغرافي كورقة تفاوضية. وإذا كانت طهران تستطيع التأثير في حركة الملاحة عبر هرمز، فإن واشنطن تريد أن تقول إن هذه القدرة لن تمنح إيران بالضرورة اليد العليا في المفاوضات.
من هنا يمكن فهم إصرار ترامب على إعادة نشر الصورة.
لو كانت مجرد عبارة استفزازية عابرة، لكان نشرها مرة واحدة كافياً. أما تكرارها في لحظة تصعيد اقتصادي، فيوحي بأن ترامب يريد إبقاء هرمز حاضراً في قلب المعادلة، وربط المضيق مباشرة بسياسة الضغط على إيران.
الرسالة إلى طهران تبدو واضحة: العقوبات ليست سوى جزء من الضغط، وهرمز جزء آخر من معركة النفوذ.
لكن الرسالة لا تتوجه إلى إيران وحدها.
هناك دول الخليج، والصين، والهند، والدول الآسيوية والأوروبية التي تعتمد على حركة الطاقة والتجارة عبر المضيق. ترامب يريد أن يرسخ أمامها صورة الولايات المتحدة باعتبارها القوة التي تستطيع فرض قواعد جديدة على أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
كما أن إعادة نشر الخريطة تحمل رسالة إلى الأسواق: واشنطن لا تتعامل مع أزمة هرمز باعتبارها أزمة إيرانية داخلية، بل باعتبارها معركة على النظام الذي يحكم حركة الطاقة العالمية.
وهذا يفسر لماذا تتزامن صورة هرمز مع التهديدات الاقتصادية.
المال والطاقة والملاحة تتحول إلى أدوات في معركة واحدة.
العقوبات تضغط على الاقتصاد الإيراني، والضغط على هرمز يستهدف إحدى أهم أوراق القوة الخارجية لطهران، فيما يحاول ترامب إقناع العالم بأن الولايات المتحدة قادرة على التحكم بمسار المواجهة، وليس فقط الرد عليها.
وفي المقابل، تحاول إيران الحفاظ على خطاب معاكس. فالرئيس مسعود بزشكيان قال إن الوقت حان لإنهاء الحرب بينما إيران في «موقع قوة»، في محاولة لإظهار أن طهران لا تدخل المفاوضات من موقع المنهار أو المستسلم.
وهنا تحديداً تصبح صورة ترامب جزءاً من حرب الرسائل.
طهران تقول: نحن قادرون على الصمود واستخدام أوراق القوة التي نملكها.
وواشنطن تقول: سنضغط اقتصادياً إلى أقصى الحدود، ولن نسمح بأن تتحول أوراق القوة الإيرانية إلى أدوات ابتزاز.
أما هرمز، فهو يقع في قلب هذه المواجهة.
فالمضيق ليس مجرد ممر بحري. إنه رمز للقوة الإيرانية في الخليج، وفي الوقت نفسه أحد أكبر مصادر القلق بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن السيطرة على صورته السياسية لا تقل أهمية عن السيطرة على حركة السفن نفسها.
ومن هنا يمكن قراءة عبارة ترامب «أرض أميركية جديدة» باعتبارها محاولة لإعادة تعريف ميزان القوة: ليس المطلوب فقط أن تعيد إيران فتح هرمز، بل أن تدرك أن الولايات المتحدة تريد أن تكون صاحبة القرار الأقوى في ما يحدث فيه.
وهذا يفسر أيضاً لماذا تأتي إعادة نشر الخريطة بعد الحديث الأميركي عن «الإنزال الاقتصادي» والعقوبات التي قد تؤدي، بحسب بيسنت، إلى انهيار النظام.
فإذا كان الهدف هو تغيير سلوك إيران أو دفع النظام إلى الانهيار، فإن واشنطن تحتاج إلى إقناع طهران بأن كلفة الاستمرار في المواجهة ستتجاوز قدرة النظام على الاحتمال. وفي هذه المعادلة، تصبح العقوبات أداة خنق اقتصادي، بينما يصبح هرمز أداة ضغط استراتيجية.
إنها، في النهاية، معركة على من يحدد قواعد اللعبة بعد الحرب.
ترامب لا يريد أن يظهر باعتباره الرئيس الذي يحاول فقط إنهاء أزمة هرمز. يريد أن يظهر باعتباره الرئيس الذي يعيد ترتيب ميزان القوة حول هرمز.
ولهذا فإن إعادة نشر الخريطة في هذا التوقيت تحمل رسالة سياسية مركزة:
واشنطن تريد خنق إيران اقتصادياً، وتقليص قدرتها على استخدام هرمز كورقة ضغط، وفرض نفسها باعتبارها القوة التي ستحدد قواعد الملاحة والنفوذ في الخليج.
ومن هذه الزاوية، فإن الخريطة ليست تفصيلاً بصرياً. إنها جزء من لغة ترامب في إدارة المواجهة: عقوبات من جهة، ضغط على هرمز م ن جهة أخرى، ورسالة واحدة إلى طهران: زمن استخدام المضيق كورقة قوة من دون ثمن أصبح، في نظر واشنطن، من الماضي.
