دخلت العلاقات بين كندا والولايات المتحدة مرحلة جديدة من التوتر، بعد انهيار المفاوضات التجارية بين البلدين في واشنطن، وعودة الوفد الكندي إلى أوتاوا، بالتزامن مع فرض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية جديدة على صادرات كندية.
وفي خطاب استمر 22 دقيقة، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن بلاده لن تقبل العرض الأميركي الأخير، معتبراً أنه يمثل «صفقة سيئة»، ومؤكداً أن أوتاوا لن توافق على مطالب تمس سيادتها أو تضر بصناعاتها الرئيسية.
وقال كارني إن كندا أدركت منذ البداية أن الولايات المتحدة «قد تغيّرت»، مضيفاً أن بلاده لا تستطيع قبول اتفاقات لا تتمتع بالمصداقية والاستقرار. ووجّه انتقادات مباشرة إلى السياسة التجارية الأميركية، معتبراً أن الرسوم الجديدة صُممت لإلحاق الضرر بكندا وزرع الانقسام بين البلدين.
وبحسب ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، تعثرت المفاوضات بعد طرح واشنطن مطالب في اللحظات الأخيرة، اعتبرتها أوتاوا غير عادلة وغير منطقية اقتصادياً، بما في ذلك مطالب مرتبطة بسياسات كندا الثقافية واللغوية.
وشملت المطالب الأميركية، وفق التقرير، تقليص الدعم الحكومي لقطاعي السينما والنشر، والحد من جهود كندا لتعزيز المحتوى الفرنسي على منصات البث، إضافة إلى الاعتراض على إلزام الشركات بوضع ملصقات باللغة الفرنسية إلى جانب الإنجليزية على المنتجات، وهو شرط ينص عليه القانون الكندي.
ووصف كارني هذه المطالب بأنها تمس الهوية الثقافية الكندية، وانتقل خلال خطابه إلى اللغة الفرنسية للتأكيد على رفض حكومته تقديم تنازلات في هذا الملف.
كما بقيت الخلافات قائمة بشأن قطاعات صناعية رئيسية، بينها قطع غيار السيارات والشاحنات والصلب والألومنيوم، ما دفع المفاوضات إلى طريق مسدود.
وجاء انهيار المحادثات بعد تصعيد تجاري أميركي جديد، مع فرض رسوم جمركية تصل إلى 50% على بعض الصادرات الكندية، في خطوة تهدد بتوسيع نطاق الحرب التجارية بين البلدين.
وردت أوتاوا بالإعلان عن إجراءات انتقامية، قال كارني إنها ستطبق بمبدأ «دولار مقابل دولار»، وتشمل منتجات الصلب ومنتجات الألبان والأجهزة الكهربائية والمعدات الزراعية والورق والإلكترونيات، على أن تدخل حيز التنفيذ في الثامن من سبتمبر.
وتأتي هذه المواجهة في ظل تدهور متسارع للعلاقات بين البلدين منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بعدما اتسمت الأشهر الماضية بفرض رسوم جمركية متبادلة، وتصريحات حادة استهدفت القيادة الكندية، فضلاً عن طرح ترامب مراراً فكرة ضم كندا لتصبح الولاية الأميركية الحادية والخمسين، وهو ما أثار رفضاً واسعاً في كندا.
اقتصادياً، يُتوقع أن تكون تداعيات التصعيد كبيرة، خصوصاً على قطاعات البناء والغابات والمشروبات والشركات الصغيرة والمتوسطة. وتشير تقديرات اقتصادية إلى احتمال فقدان نحو 90 ألف وظيفة في كندا نتيجة الإجراءات التجارية الجديدة.
وفي محاولة لتخفيف آثار الرسوم الأميركية، أعلن كارني عن حزمة مساعدات اتحادية بقيمة 25 مليار دولار كندي لدعم الشركات الأكثر تضرراً، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد واشنطن.
ودعا رئيس وزراء أونتاريو، دوغ فورد، الحكومة الفيدرالية إلى استخدام النفط والغاز والكهرباء كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة، في خطوة كان كارني قد أبدى سابقاً تحفظاً حيالها خشية الإضرار بسمعة كندا كمورد موثوق للطاقة.
لكن الضغوط السياسية والشعبية تتزايد، في ظل اعتماد الولايات المتحدة بدرجة كبيرة على واردات الطاقة الكندية. وفي ختام خطابه، أشار كارني إلى هذا الاعتماد قائلاً، بنبرة ساخرة، إنه لا يعتقد أن الأميركيين «يريدوننا أن نتوقف عن إرسال ذلك إليهم».
وبانهيار المفاوضات وبدء التحضير لرسوم انتقامية جديدة، تبدو العلاقة الاقتصادية بين أكبر شريكين تجاريين في أميركا الشمالية أمام اختبار هو الأكثر حدة منذ عودة ترامب إلى السلطة، فيما تتجه المواجهة من خلافات حول التعريفات الجمركية إلى صراع أوسع على ال سيادة والمصالح الصناعية والهوية الاقتصادية والثقافية لكندا.
