استهدفت غارات جوية إسرائيلية، ليل أمس، قاعدة أبو الظهور العسكرية في ريف إدلب شمال غربي سوريا، في ضربة تكتسب أهمية تتجاوز المنشأة المستهدفة، لأنها تأتي وسط ت نامي الدور العسكري التركي في سوريا ومساعي أنقرة للمساهمة في إعادة بناء القدرات الدفاعية للحكومة السورية الجديدة.
وأفادت مصادر سورية بأن الغارات استهدفت مدرجات ومنشآت في القاعدة، من دون تسجيل إصابات، فيما حمّلت دمشق إسرائيل مسؤولية الهجوم. ولم تعلن إسرائيل رسمياً مسؤوليتها عن الضربة، لكن المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك وصفها بأنها «غارات إسرائيلية مؤكدة» وانتقدها باعتبارها تصعيداً غير ضروري.
رسالة إلى أنقرة ودمشق
القراءة الأكثر ترجيحاً للضربة، بحسب محللين إسرائيليين، هي أنها تحمل رسالة استراتيجية إلى تركيا والرئيس السوري أحمد الشرع معاً: إسرائيل لن تسمح بإقامة بنية عسكرية في سوريا يمكن أن تحد من حرية عمل سلاحها الجوي.
وهذه ليست المرة الأولى التي تتحرك فيها إسرائيل بهذا المنطق.
ففي نيسان 2025، قصفت إسرائيل قاعدة تي فور في ريف حمص، إلى جانب مواقع عسكرية سورية أخرى كانت تركيا قد درست إمكانية استخدامها في إطار تعاون دفاعي مع الحكومة السورية الجديدة. وذكرت تقارير في حينها أن أنقرة كانت تبحث نشر أنظمة دفاع جوي ورادارات وطائرات مسيّرة في بعض تلك المواقع.
وتشير تقارير وتحليلات لاحقة إلى أن إسرائيل رأت في احتمال نشر أنظمة دفاع جوي تركية في تي فور تهديداً لحرية عملياتها الجوية في سوريا، وخصوصاً أن تركيا تمتلك منظومات أكثر تطوراً من شبكة الدفاع الجوي السورية التي دُمّرت إلى حد كبير خلال سنوات الحرب والضربات الإسرائيلية المتكررة.
من هنا، يمكن النظر إلى ضربة أبو الظهور باعتبارها امتداداً للرسالة نفسها: لا تريد إسرائيل أن تتحول سوريا الجديدة إلى مجال عسكري تركي يمكن أن يفرض قيوداً على حركتها الجوية.
لماذا أبو الظهور؟
تكتسب القاعدة أهمية إضافية بسبب موقعها الجغرافي. فهي تقع في محافظة إدلب، على مسافة نحو 70 كيلومتراً من الحدود التركية، وكانت منشأة عسكرية مهمة قبل أن تتوقف عن العمل بصورة فعلية خلال الحرب السورية. وبعد سقوط نظام بشار الأسد، بقيت القاعدة ضمن المنشآت التي يمكن أن تدخل في خطط إعادة بناء القدرات العسكرية السورية.
وتقول تقارير إن تركيا كانت تساعد في إعادة تأهيل مواقع عسكرية سورية، فيما تسعى أنقرة إلى لعب دور أساسي في إعادة بناء الجيش السوري والدفاعات الجوية. وهذا تحديداً ما يثير القلق الإسرائيلي.
فالمسألة بالنسبة إلى إسرائيل لا تتعلق فقط بما إذا كانت تركيا ستقيم قاعدة عسكرية في سوريا، بل بنوع القدرات التي يمكن أن تنشرها فيها: رادارات بعيدة المدى، أنظمة حرب إلكترونية، دفاعات جوية وطائرات مسيّرة. مثل هذه القدرات يمكن أن تجعل المجال الجوي السوري أكثر تعقيداً بالنسبة إلى سلاح الجو الإسرائيلي.
إسرائيل لا تريد مواجهة تركيا
ومع ذلك، تبدو إسرائيل حريصة على عدم تحويل الرسالة إلى مواجهة مباشرة مع أنقرة.
وتشير المعطيات إلى أن الضربة نُفذت على منشأة عسكرية خالية من السكان، فيما حافظت إسرائيل رسمياً على سياسة الصمت تجاه العملية.
لكن مسؤولاً إسرائيلياً رفيعاً قال لـ«فوكس نيوز» إن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة مسبقاً بالضربة وشاركت معها معلومات استخبارية وصفها بأنها «شديدة الحساسية»، على أعلى مستويات الأجهزة المعنية.
وهذا التفصيل مهم، لأنه يعني أن إسرائيل لا تتصرف في سوريا من دون إبلاغ واشنطن، حتى وإن كانت الإدارة الأميركية غير راضية عن بعض عملياتها.
واشنطن بين حليفين
المشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن سوريا أصبحت ساحة تداخل بين مصالح حليفين أساسيين: تركيا وإسرائيل.
أنقرة تريد حكومة سورية قوية مرتبطة بها سياسياً وأمنياً، وتعمل على تعزي ز قدراتها العسكرية. وإسرائيل تريد سوريا مستقرة، لكنها لا تريد أن تتحول هذه الدولة الجديدة إلى منصة عسكرية تركية تحد من حرية عملياتها.
أما واشنطن، فتريد الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع تركيا، وفي الوقت نفسه ضمان أمن إسرائيل ومنع تحول التنافس بينهما إلى صراع مفتوح داخل سوريا.
ومن هنا تبدو ضربة أبو الظهور أكثر من مجرد غارة على قاعدة عسكرية.
إنها رسالة إسرائيلية إلى أحمد الشرع قبل أن تكون إلى تركيا: إعادة بناء الجيش السوري أمر ممكن، لكن إعادة بناء منظومة عسكرية قادرة على تقييد إسرائيل شيء آخر.
والأخطر أن هذا التنافس قد يتحول إلى أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في سوريا الجديدة: تركيا تريد ملء الفراغ الذي خلفه سقوط الأسد وانسحاب النفوذين الإيراني والروسي، وإسرائيل تريد أن تضمن ألا يملأ هذا الفراغ نفوذ تركي عسكري يغيّر ميزان القوى في سماء سوريا والمنطقة.
