عاد الملف النووي السوري إلى الواجهة، لكن ليس لأن سوريا تمتلك سلاحاً نووياً، ولا لأن الحكومة الجديدة بدأت برنامجاً عسكرياً جديداً. القصة أكثر تعقيداً: إنها بقايا برنامج نووي سري أنشأه نظام بشار الأسد، ومواد ومواقع بقيت من ذلك البر نامج بعد تدمير منشأته الرئيسية عام 2007.
والتطور الأحدث أن وفداً من الوكالة الدولية للطاقة الذرية وصل إلى دمشق، فيما أعلن المدير العام للوكالة رافائيل غروسي أن مفتشي الوكالة تمكنوا من الوصول إلى مواقع سورية غير معلنة، بينها موقع يحوي مواد نووية، وأن هذه المواد ستخضع للتحقق والضمانات الدولية.
قصة الكِبَر: البداية
تعود جذور القضية إلى منشأة الكِبَر في محافظة دير الزور، حيث كان نظام الأسد يطور، وفق تقييمات دولية، مشروعاً نووياً سرياً بمساعدة كوريا الشمالية.
وفي عام 2007، دمرت إسرائيل المنشأة في غارة جوية. وبعد سنوات من التحقيق، خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن الموقع كان، بدرجة عالية من الاحتمال، مفاعلاً نووياً غير معلن.
لكن ذلك لا يعني أن سوريا كانت تمتلك قنبلة نووية. فالمعطيات المتوافرة تشير إلى مشروع كان يمكن أن يدخل في مسار إنتاج البلوتونيوم، وليس إلى امتلاك سلاح نووي جاهز. كما كشفت عمليات التفتيش عن آثار يورانيوم مرتبطة بالمنشأة.
ماذا بقي بعد تدمير المفاعل؟
لم يكن الكِبَر الموقع الوحيد المرتبط بالبرنامج السوري. فقد بقيت منشآت ومواقع أخرى للبحث والتخزين مرتبطة بالمشروع السابق.
ومن بينها موقع سري يعرف في التقارير باسم «الموقع 99»، حيث قيل إن نظام الأسد خزّن مواد مرتبطة بالبرنامج النووي، بينها الكعكة الصفراء، وهي مادة وسيطة في دورة الوقود النووي، إضافة إلى بقايا وحطام مرتبط بمشروع الكِبَر.
وهنا يجب التفريق جيداً بين أمرين: وجود مواد نووية وبين امتلاك سلاح نووي.
المواد التي يجري الحديث عنها ليست قنبلة نووية ولا تصلح بصورتها الحالية لصنع سلاح نووي. لكن بعض المسؤولين حذروا من إمكانية إساءة استخدام مواد مشعة في تصنيع ما يسمى «القنبلة القذرة»، أي متفجر تقليدي ينشر مواد مشعة في منطقة ما، وليس سلاحاً نووياً.
لماذا عادت القضية بعد سقوط الأسد؟
سقوط النظام السابق فتح الباب أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية للوصول إلى مواقع كانت محاطة بالسرية.
والحكومة السورية الجديدة أعلنت تعاونها مع الوكالة، وسمحت لمفتشيها بزيارة مواقع مرتبطة بالبرنامج السابق. وفي 17 تموز/يوليو، أبلغت دمشق الوكالة رسمياً بوجود مواد نووية في موقع غير معلن، ثم دعت مفتشيها إلى التحقق منها.
وهنا حصل تطور لافت.
قبل أيام، أفادت تقارير بأن واشنطن توسطت في تفاهم يسمح للوكالة بإزالة المواد من الموقع. لكن دمشق أعلنت الآن أن المواد ستبقى في سوريا تحت سيطرة الدولة، لأغراض مدنية وسلمية، وبإشراف وضمانات الوكالة الدولية.
أي أن الخلاف لم يعد حول الاعتراف بوجود المواد، بل حول مصيرها وكيفية التعامل معها.
لماذا تخشى إسرائيل؟
إسرائيل لا تقول إن سوريا الجديدة تمتلك قنبلة نووية. مخاوفها تتركز على ثلاثة مستويات:
أولاً، منع وصول المواد إلى جهة غير حكومية أو جماعة مسلحة.
ثانياً، منع استخدامها بطريقة تؤدي إلى نشر مواد مشعة.
وثالثاً، التأكد من ألا تتحول بقايا البرنامج القديم إلى نقطة انطلاق لبرنامج نووي جديد.
وتفيد تقارير بأن إسرائيل والولايات المتحدة ناقشتا لأكثر من عام كيفية التعامل مع «الموقع 99»، وأن إسرائيل أبلغت واشنطن رفضها بقاء المواد النووية في سوريا. كما تحدثت تقارير عن استهداف مداخل الموقع بعد سقوط الأسد لمنع الوصول إليه.
ما الذي تريده دمشق؟
موقف الحكومة السورية الجديدة مختلف.
دمشق تقول، عملياً: هذه ليست مواد عسكرية، ونحن لا نملك برنامجاً نووياً عسكرياً، لكننا لا نقبل بالضرورة إخراج كل مادة نووية من الأراضي السورية.
وزير الخارجية أسعد الشيباني أكد، بحضور غروسي، أن لسوريا الحق في استخدام المواد لأغراض سلمية ومدنية، شرط وجود الضمانات والرقابة الدولية. وفي المقابل، أكد غروسي أن الوكالة ستتحقق من طبيعة المواد وتضعها ضمن نظام الضمانات.
وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة.
فالوكالة الدولية لا تبحث فقط عن إجابة لسؤال «هل لدى سوريا قنبلة؟»، بل عن إجابة أوسع:
ماذا ترك نظام الأسد وراءه؟ كم تبلغ كمية المواد؟ ما طبيعتها؟ أين توجد؟ وهل كُشف للوكالة عن كل المواقع والمواد المرتبطة بالبرنامج السابق؟
ولهذا فإن قصة النووي السوري اليوم هي في جوهرها قصة إرث نووي سري أكثر منها قصة برنامج نووي جديد.
وإذا نجحت دمشق في التعاون الكامل مع الوكالة، فقد يتحول هذا الملف من مصدر تهديد إقليمي إلى اختبار لقدرة سوريا الجديدة على طي صفحة النظام السابق وإعادة بناء الثقة الدولية.
أما إذا بقيت المواد والمواقع محاطة بالغموض، فسيبقى «النووي السوري» أحد الملفات التي يمكن أن تعيد إسرائيل والولايات المتحدة فتحها أمنياً في أي لحظة.
