"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

قاليباف في بغداد.. إيران تعيد اختراع «حصر السلاح»

نيوزاليست
الجمعة، 21 أغسطس 2026

    قاليباف في بغداد.. إيران تعيد اختراع «حصر السلاح»

لم تكن زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد مجرد محطة في العلاقات العراقية ــ الإيرانية. فالزيارة جاءت في لحظة يتقدم فيها العراق نحو استحقاق شديد الحساسية: تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، وسط انقسام داخل البيئة السياسية الشيعية حول مصير الفصائل المسلحة، وضغوط أميركية وإقليمية متزايدة.

لكن ما تكشفه الزيارة يجعل الصورة أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين بغداد وطهران حول مبدأ حصر السلاح.

فإيران أعلنت، على لسان قاليباف، تأييدها وضع إطار قانوني ينظم السلاح ويجعله تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة العراقية. وفي الوقت نفسه، نقلت مصادر عن لقاء قاليباف بقيادات في الإطار التنسيقي أنه اقترح إبقاء أسلحة الفصائل في حوزتها أو إيداعها لدى هيئة الحشد الشعبي بدلاً من تسليمها إلى الحكومة.

ظاهرياً، يبدو الموقفان متناقضين. لكنهما قد يعكسان في الحقيقة محاولة إيرانية لإعادة تعريف معنى «حصر السلاح».

بين تسليم السلاح وإعادة تنظيمه

السؤال الذي حمله قاليباف إلى بغداد لم يكن، على الأرجح، ما إذا كان يجب أن تكون هناك دولة ومؤسسات رسمية. فهذا المبدأ لا تعارضه طهران علناً.

السؤال الأكثر حساسية هو: ماذا يعني عملياً أن يصبح السلاح «بيد الدولة»؟

هل يعني ذلك جمع الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيّرة وتسليمها بالكامل إلى المؤسسات الحكومية؟

أم يمكن أن يبقى جزء كبير منها داخل منظومة الحشد الشعبي، باعتبار الحشد مؤسسة رسمية، مع إعادة تنظيم العلاقة بين الفصائل والقيادة العامة؟

هنا تحديداً تبدو المسافة بين الرؤية العراقية والرؤية الإيرانية.

بغداد تقول إن القرار العسكري يجب أن يكون للدولة. أما الصيغة التي تنقلها التقارير عن قاليباف فتفتح الباب أمام بقاء القدرة العسكرية للفصائل، ولكن ضمن ترتيبات مختلفة.

وبذلك تتحول المعركة من سؤال «هل تسلّم الفصائل سلاحها؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «من يملك السيطرة الفعلية على هذا السلاح؟».

رسالة بغداد كانت واضحة

في المقابل، حملت بغداد إلى قاليباف رسالة لا تقل وضوحاً.

فمستشار الأمن القومي العراقي أكد أن الدستور لا يسمح بوجود جماعات مسلحة تهدد أمن دول أخرى، وشدد على استمرار الحكومة في تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة. (میدل ایست نیوز⁠)

وهذا يعني أن بغداد تحاول تثبيت قاعدة جديدة: العلاقة مع إيران يمكن أن تستمر، والتعاون الأمني والسياسي يمكن أن يتوسع، لكن ذلك لا يعني السماح لقوى مسلحة داخل العراق بامتلاك قرار مستقل عن الدولة.

والأهم أن الحكومة العراقية لا تقدم المسألة باعتبارها مطلباً أميركياً.

إنها تقدمها باعتبارها قضية سيادة عراقية.

وهنا تكمن أهمية التحول.

لماذا تبدو إيران أكثر مرونة الآن؟

قد يكون أحد أهداف طهران هو تجنب معركة مباشرة بين الحكومة والفصائل.

فالدخول في مواجهة عراقية ــ عراقية سيكون مكلفاً لإيران، خصوصاً في مرحلة تحاول فيها إعادة ترتيب أوراقها الإقليمية.

لذلك قد يكون من مصلحتها الانتقال من الدفاع الصريح عن السلاح إلى الدفاع عن «دور» الفصائل.

بمعنى آخر: إذا أصبح من الصعب الدفاع عن وجود سلاح مستقل خارج الدولة، يمكن الدفاع عن بقاء الفصائل نفسها داخل المنظومة الرسمية، مع الاحتفاظ بجزء من بنيتها وقدراتها.

وهذا هو جوهر المنطقة الرمادية التي يبدو أن طهران تحاول الوصول إليها.

30 أيلول.. الاختبار الحقيقي

لكن كل هذه الصيغ ستصطدم بالموعد الذي حددته الحكومة العراقية: 30 أيلول/سبتمبر.

فهذا الموعد لا يتعلق فقط بالانسحاب الأميركي أو بترتيبات أمنية جديدة، بل أصبح اختباراً لقدرة الدولة العراقية على تنفيذ ما أعلنته فعلاً بشأن حصر السلاح.

ولهذا فإن زيارة قاليباف قد تكون أقل أهمية بما حملته من اتفاقات معلنة، وأكثر أهمية بما كشفته من طبيعة المعركة المقبلة.

إذا تمكنت بغداد من فرض آلية تجعل جميع الأسلحة والقرار العسكري تحت السلطة الفعلية للقائد العام، فستكون قد حققت تحولاً كبيراً في العلاقة بين الدولة والفصائل.

أما إذا انتهى الأمر إلى نقل السلاح من مواقع الفصائل إلى مؤسسات رسمية من دون تغيير حقيقي في سلسلة القرار، فقد تكون النتيجة مجرد إعادة ترتيب للنفوذ، لا إنهاء له.

إيران أمام خيار صعب

طهران لا تستطيع بسهولة التخلي عن الفصائل التي شكلت لسنوات إحدى أهم أدوات نفوذها في العراق.

لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل حقيقة أن استمرار السلاح المستقل قد يدفع الدولة العراقية إلى مواجهة مع هذه الفصائل، أو يفتح الباب أمام تدخل أميركي أكبر، أو يضع القوى السياسية الشيعية أمام انقسام أكثر حدة.

لذلك تبدو السياسة الإيرانية الحالية أقرب إلى محاولة إنقاذ النفوذ، لا إنقاذ السلاح بشكله القديم.

وهذا فارق جوهري.

فإذا أمكن تحويل الفصائل إلى قوى سياسية وأمنية داخل الدولة مع الاحتفاظ بجزء من بنيتها ونفوذها، تستطيع طهران أن تخسر بعض المظاهر العسكرية من دون أن تخسر شبكة نفوذها.

أما إذا أصر العراق على أن يكون الإدماج شاملاً، وأن يخضع السلاح والأفراد والقرار والتمويل وسلسلة القيادة بالكامل للدولة، فإن المسألة تصبح مختلفة جذرياً.

عندها لن يكون الحديث عن إعادة تنظيم الفصائل، بل عن نهاية نموذج كامل من نماذج النفوذ الإيراني في العراق.

المعركة الحقيقية ليست على البندقية

لهذا فإن زيارة قاليباف لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها محاولة إيرانية لمنع نزع سلاح الفصائل.

الأدق أنها محاولة للتأثير في تعريف المرحلة التالية.

إيران تبدو مستعدة، على الأقل في خطابها الرسمي، لقبول مبدأ الدولة واحتكارها للقرار العسكري. لكنها تحاول في الوقت نفسه منع تحول هذا المبدأ إلى عملية تؤدي إلى تفكيك البنية السياسية والأمنية للفصائل المرتبطة بها.

وبين هذين الحدين ستدور المعركة المقبلة.

فالسؤال الحقيقي بعد زيارة قاليباف ليس: هل وافقت إيران على حصر السلاح؟

لقد وافقت عليه نظرياً.

السؤال هو: أي سلاح؟ وتحت أي قيادة؟ وبأي آلية؟ وهل سيكون الحشد مؤسسة دولة فعلاً، أم مظلة قانونية لقوى تحتفظ بجزء من استقلالها؟

هنا تحديداً سيكون اختبار 30 أيلول.

وعندها سيتضح ما إذا كانت بغداد قد بدأت فعلاً استعادة احتكار الدولة للقوة، أم أن طهران نجحت في تحويل «حصر السلاح» من عملية لنزع نفوذ الفصائل إلى عملية لإعادة هندسة هذا النفوذ داخل الدولة العراقية.

المقال السابق
21 آب 2026: عودة مفاجئة إلى الواقع ُتسقط الأقنعة عن بعض الأبراج
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

هل تجنبت المنطقة فعلاً مواجهة عسكرية تركية–إسرائيلية في سوريا؟ وماذا حصل فعلاً؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية