تدرس إيران خيارات لاستهداف مواقع أو أصول عسكرية أميركية في أوروبا إذا تجددت المواجهات مع الولايات المتحدة، في خطوة من شأنها أن توسّع نطاق ال حرب من الشرق الأوسط إلى الأراضي الأوروبية، وفق ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز» نقلاً عن مصادر داخل النظام الإيراني.
وبحسب التقرير، بحثت السلطات العسكرية الإيرانية خيارات لضرب أهداف أميركية في دول جنوب وشرق أوروبا، من بينها بلغاريا وقبرص، حيث توجد منشآت عسكرية يمكن أن تستخدمها القوات الأميركية أو الحليفة لها.
وتكتسب بلغاريا أهمية خاصة في هذا السياق بعدما وافق برلمانها في يوليو على نشر ما يصل إلى ثماني طائرات أميركية من طراز «كي سي-135» للتزوّد بالوقود جواً، إلى جانب نحو 250 عسكرياً، في قاعدة بزمير حتى الأول من أكتوبر. وقالت صوفيا إن المهمة غير قتالية وإن الطائرات لن تنفذ عمليات هجومية من الأراضي البلغارية، لكن طهران حذرت مراراً من السماح باستخدام الأراضي البلغارية في العمليات الأميركية ضدها.
ولم تقتصر التحذيرات الإيرانية على بلغاريا. فقد أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً بنظيره القبرصي، مطالباً بمنع استخدام المنشآت العسكرية الأجنبية في قبرص لدعم العمليات الأميركية ضد إيران. وتستضيف قبرص قاعدتين بريطانيتين سياديتين، من أبرزها قاعدة أكروتيري، التي تعرضت في مارس لهجوم بمسيّرة إيرانية، في واحدة من أولى الإشارات إلى امتداد المواجهة إلى منطقة شرق المتوسط.
من الشرق الأوسط إلى أوروبا
وتقول المصادر التي تحدثت إلى «فايننشال تايمز» إن الرد الإيراني في حال استئناف الحرب لن يكون بالضرورة محصوراً في القواعد الأميركية في الشرق الأوسط.
ونقلت الصحيفة عن أحد المصادر أن إيران قد تتجاوز المنطقة وتستهدف أوروبا إذا رأت أن الولايات المتحدة ذهبت بعيداً في ضرب بنيتها التحتية أو قدراتها العسكرية، فيما اعتبر مصدر آخر أن أي هجوم أميركي واسع على البنية التحتية الإيرانية يمكن أن يؤدي إلى نقل الحرب إلى الأراضي الأوروبية.
ويأتي هذا التهديد بعد أن أظهرت إيران استعداداً لمحاولة ضرب أهداف بعيدة جداً عن أراضيها. وخلال الحرب التي بدأت في 28 فبراير، حاولت إيران استهداف قاعدة دييغو غارسيا الأميركية في المحيط الهندي، على مسافة تقارب أربعة آلاف كيلومتر، في مؤشر إلى امتلاكها طموحاً وقدرات للوصول إلى أهداف تقع خارج محيطها الإقليمي، وإن كان محللون يشيرون إلى أن زيادة مدى الصواريخ تأتي عادة على حساب حجم الرأس الحربي وقدرته التدميرية.
كما سبق أن استهدفت إيران قاعدة أميركية في الأردن، في هجوم أوقع ثلاثة عسكريين أميركيين قتلى، وهو ما تستخدمه المصادر الإيرانية في التقرير للدلالة على قدرة طهران على ضرب أهداف أميركية خارج الخليج.
هرمز.. جبهة إلكترونية محتملة
ولا تقتصر الخيارات التي تدرسها طهران، وفق التقرير، على المنشآت العسكرية.
فقد تحدثت المصادر عن احتمال استهداف كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت مياه مضيق هرمز، بما يمكن أن يؤثر في الاتصالات في دول المنطقة.
وتؤكد لجنة حماية الكابلات الدولية وجود عدة أنظمة لكابلات الاتصالات البحرية تمر عبر منطقة مضيق هرمز، بينها كابلات تصل إلى دول الخليج وكابلان يصلان إلى إيران. لكنها تحذر في الوقت نفسه من المبالغة في تقدير تأثير المضيق على حركة الإنترنت العالمية، مشيرة إلى أن عرض النطاق الذي يعبر هرمز يمثل أقل من واحد في المئة من إجمالي النطاق الدولي.
ومع ذلك، فإن استهداف هذه البنية التحتية يمكن أن تكون له تداعيات إقليمية كبيرة، خصوصاً على الاتصالات والربط الرقمي بين دول الخليج والشبكات الدولية.
رسالة إلى أوروبا
وتكشف التطورات المتراكمة أن التحذير الإيراني من استهداف أوروبا لم يبدأ مع تقرير «فايننشال تايمز».
فطهران حذرت بلغاريا في يوليو من السماح للطائرات الأميركية باستخدام أراضيها، ثم وجهت تحذيرات إلى قبرص بشأن المنشآت العسكرية البريطانية، فيما عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي.
وبذلك، فإن انتقال التهديد الإيراني من الشرق الأوسط إلى أوروبا لا يزال، وفق المعطيات المتاحة، خياراً قيد الدراسة وليس إعلاناً عن هجوم وشيك. لكن مجرد إدخال بلغاريا وقبرص والبنية التحتية البحرية في مضيق هرمز إلى حسابات الرد الإيراني يكشف اتساع نطاق السيناريوهات التي تستعد لها طهران في حال انهيار أي مسار لخفض التصعيد.
والأخطر بالنسبة لأوروبا أن اتساع الحرب لن يحتاج بالضرورة إلى استهداف عواصم أوروبية؛ فقد يبدأ بضربة على قاعدة أو طائرة عسكرية أو منشأة لوجستية مرتبطة بالقوات الأميركية، بما يضع دولة أوروبية في مواجهة مباشرة مع إيران، حتى لو كانت قد أعلنت أنها لا تشارك في العمليات القتالية.
الناتو: مستعدون لمواجهة أي تهديد والدفاع عن جميع الحلفاء
وفي سياق متصل، أكد مسؤول في حلف شمال الأطلسي أن الحلف مستعد للتعامل مع أي تهديد، وأنه سيتخذ كل ما يلزم للدفاع عن جميع الدول الأعضاء، وذلك رداً على تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» أفاد بأن إيران تدرس احتمال استهداف مواقع عسكرية أميركية في أوروبا في حال قرر الرئيس ا لأميركي دونالد ترامب تصعيد الحرب.
وقال المسؤول في الحلف إن قوة منظومة الردع والدفاع التابعة للناتو أثبتت فعاليتها في وقت سابق من هذا العام، مشيراً إلى أن الدفاعات الجوية للحلف نجحت في اعتراض صواريخ بالستية إيرانية كانت متجهة نحو تركيا في أربع مناسبات منفصلة.
وأضاف أن الحلف يمتلك «وضعية ردع ودفاع قوية وفعالة»، في رسالة تعكس استعداد الناتو للتعامل مع أي توسع محتمل للصراع خارج منطقة الشرق الأوسط.
