لم تكن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى ثكنة بنوا بركات في الجنوب مجرد جولة ميدانية للاطلاع على أوضاع الجيش في واحدة من أكثر الم ناطق حساسية في لبنان. في دلالاتها السياسية، بدت الزيارة أقرب إلى تتويج علني للمصالحة بين سلام ووزير الدفاع ميشال منسّى، وإلى محاولة لإغلاق صفحة الخلاف داخل السلطة التنفيذية أمام المؤسسة العسكرية نفسها.
المشهد كان بالغ الدلالة: سلام يصل إلى ثكنة بنوا بركات، ومنسّى في استقباله إلى جانب رئيس الأركان اللواء الركن حسان عوده وقائد قطاع جنوب الليطاني العميد الركن نيكولا تابت. مراسم عسكرية، إكليل على نصب شهداء الجيش، ثم اجتماع مع الضباط.
لكن الرسالة الأهم لم تكن في البروتوكول، بل في الكلمات التي قيلت أمام الجيش.
سلام اختار الجنوب ليؤكد أن وجود الجيش في هذه المنطقة ليس مجرد انتشار عسكري، بل هو تعبير عن عودة الدولة نفسها.
قال بوضوح إن كل موقع ينتشر فيه الجيش تستعيد فيه الدولة سيادتها، وإن المطلوب أن يكون الجنوب تحت سلطة الدولة الواحدة، وأن يستعيد المواطن شعوره بالأمان لأن هناك جيشاً يحميه.
ثم ذهب إلى النقطة الأكثر حساسية: قرار الحرب والسلم.
فبالنسبة إلى رئيس الحكومة، استعادة السيادة لا تكتمل بمجرد انتشار الوحدات العسكرية، وإنما باستعادة الدولة ومؤسساتها الدستورية لقرار الحرب والسلم.
وهنا تحديداً اكتسب اللقاء بعده السياسي.
فالرجل الذي دخل في خلاف مع وزير الدفاع خلال الأيام الماضية، يقف اليوم إلى جانبه في قلب الجنوب، ليتحدث عن الجيش باعتباره المؤسسة التي يفترض أن تتجسد فيها وحدة الدولة، لا أن تتحول إلى ساحة للصراع السياسي.
سلام لم يوجه رسالته إلى منسّى فقط، بل إلى الجيش أيضاً.
طلب من العسكريين الحفاظ على وحدة مؤسستهم، وألا يسمحوا لأهواء السياسة بأن تفرق بينهم أو للطائفية بأن تتسلل إلى صفوفهم، مؤكداً أن الدستور والقانون يجب أن يبقيا المرجعية الوحيدة لهم.
وكان لافتاً أن رئيس الحكومة ربط بين وحدة الجيش ووحدة الدولة، قائلاً إن اللبنانيين لا خيار أمامهم سوى جيش واحد وعلم واحد ودولة واحدة.
في المقابل، جاء خطاب منسّى ليؤكد أن صفحة الخلاف ليست فقط قابلة للطي، بل إن الطرفين يريدان تقديم صورة انسجام داخل السلطة في واحدة من أكثر اللحظات دقة.
وزير الدفاع وصف الجيش بأنه عنوان للكرامة والتضحية والوفاء، وجامع للبنانيين وصمام أمان لوحدتهم وسلمهم الأهلي، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية أنجزت مهماتها دائماً بمهنية وحرفية، بعيداً عن الضغوط السياسية.
والأهم أنه أعاد تثبيت موقف الدولة من الجنوب: استعادة السيادة على كل شبر من الأراضي اللبنانية، معتبراً أن المفاوضات التي دخلها لبنان هي الطريق الأفضل للخروج من الأزمة.
هنا تلتقي رسالتا الرجلين.
سلام يتحدث عن استعادة الدولة قرار الحرب والسلم، ومنسّى يتحدث عن استعادة سيادة الدولة وعن المفاوضات كطريق للحل.
وبين الموقفين، يظهر الجيش باعتباره نقطة الالتقاء.
الجنوب مسرحاً للمصالحة
كان بإمكان سلام ومنسّى أن ينهيا خلافهما في بيروت، خلف أبواب مجلس الوزراء أو عبر لقاء سياسي مغلق. لكن أن تظهر المصالحة في الجنوب، وأمام كبار ضباط الجيش، فذلك يمنحها معنى مختلفاً.
فالجنوب هو المكان الذي تتقاطع فيه كل الملفات اللبنانية الأكثر حساسية: الاحتلال الإسرائيلي، سلاح حزب الله، دور الجيش، المفاوضات، قرار الحرب والسلم، وعودة الدولة.
لذلك، فإن صورة سلام ومنسّى معاً في ثكنة بنوا بركات تحمل رسالة تتجاوز العلاقة الشخصية بين الرجلين.
إنها محاولة لإظهار أن الخلاف داخل السلطة لن يتحول إلى انقسام داخل المؤسسة العسكرية، وأن وزارة الدفاع ورئاسة الحكومة تقفان في الاتجاه نفسه عندما يتعلق الأمر بدور الجيش والدولة في الجنوب.
ولعل أكثر ما يكشف هذه الرغبة في طي الصفحة أن سلام ختم حديثه بالتأكيد على بقاء حكومته على عهدها بوصفها حكومة «متضامنة»، وفقاً للدستور والبيان الوزاري.
بمعنى آخر، الرسالة السياسية هي أن الخلاف حصل، لكنه لم يتحول إلى أزمة حكم.
من الأمن إلى الدولة
غير أن سلام لم يكتفِ بالحديث عن الانتشار العسكري.
فهو أراد أن يقول إن عودة الدولة إلى الجنوب لا يمكن أن تختصر بالجيش وحده.
فالسيادة، كما طرحها، يجب أن تكون أمنية واقتصادية واجتماعية في آن واحد.
ولهذا تحدث عن المدرسة والمستشفى والطريق والكهرباء والمياه والإدارة والقضاء وفرص العمل وإعادة الإعمار.
وهذه ربما تكون الرسالة الأهم في الزيارة: الدولة التي تريد أن تستعيد قرارها في الجنوب مطالبة أيضاً بأن تستعيد حضورها اليومي في حياة الجنوبيين.
فالجيش يستطيع أن يحمي موقعاً، لكن الدولة هي التي تجعل المواطن يشعر بأن هذا الموقع جزء من دولة موجودة بالفعل.
ومن هنا يصبح الانتشار العسكري مقدمة، لا خاتمة، لاستعادة السيادة.
منسّى: المفاوضات هي الطريق
أما كلام منسّى عن المفاوضات، فيكتسب أهمية إضافية في هذا السياق.
فالوزير لم يتحدث عن مواجهة مفتوحة، بل قال إن المفاوضات التي دخلها لبنان هي الحل الأفضل للخروج من النفق، مع التأكيد على استعادة السيادة وعودة الجنوب إلى لبنان.
وهذا ينسجم مع الصورة التي أراد الرجلان تقديمها: جيش يحمي الدولة، وحكومة تفاوض باسم الدولة، ومؤسسات دستورية يفترض أن تستعيد قرار الحرب والسلم.
ولذلك، فإن لقاء بنوا بركات لا يبدو مجرد نهاية لخلاف بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع.
إنه محاولة لإعادة ترتيب المشهد حول قاعدة واحدة: الخلاف السياسي يبقى خارج الجيش، والجيش يبقى مؤسسة موحدة، والجنوب يعود تدريجياً إلى كنف الدولة.
مصالحة أمام الجيش
ربما لهذا السبب تحديداً يمكن اعتبار لقاء اليوم التتويج العلني للمصالحة بين نواف سلام وميشال منسّى.
فالمصالحة لم تأتِ في مكتب سياسي، ولم تقتصر على مصافحة بروتوكولية.
جاءت في الجنوب، أمام الجيش، وفي لحظة تتعلق مباشرة بمستقبل دور المؤسسة العسكرية، وبالسؤال الأكبر الذي يحكم المرحلة اللبنانية المقبلة: من يملك قرار الحرب والسلم؟
وفي ذلك المكان تحديداً، وقف سلام ومنسّى على أرضية سياسية واحدة تقريباً.
رئيس الحكومة يقول إن الدولة تريد جيشاً واحداً ودولة واحدة وقراراً واحداً.
ووزي ر الدفاع يقول إن الجيش هو صمام أمان لبنان، وإن استعادة السيادة هي الهدف، وإن المفاوضات هي الطريق الأفضل.
وبذلك، تحولت المصالحة من شأن شخصي إلى رسالة سياسية: السلطة التنفيذية تريد أن تظهر موحدة عندما يتعلق الأمر بالجيش والجنوب والسيادة.
ويبقى الاختبار الحقيقي خارج الثكنة: هل تستطيع هذه الوحدة السياسية أن تتحول إلى قرارات عملية، وأن تستعيد الدولة فعلاً حضورها وسيادتها وقرارها في الجنوب؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد ما إذا كانت مصالحة بنوا بركات مجرد صورة سياسية جميلة، أم بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة بجيشها وبجنوبها.
