تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع، تبدو فيها الحرب والدبلوماسية تسيران على خطين متوازيين: ضغط اقتصادي أميركي متصاعد على إيران، اتصالات أمنية سورية ـ إسرائيلية مستمرة رغم التصعيد، وإشارات من «حزب الله» إلى عدم إغلاق باب التواصل مع واشنطن، فيما يجد لبنان نفسه أمام اختبار مباشر لقدرة الدولة على فرض قراراتها وحصر القرار السيادي بمؤسساتها.
في قلب هذا المشهد تقف إيران تحت ضغط اقتصادي وعسكري متزايد. فإدارة الرئيس دونالد ترامب تتحرك باتجاه تشديد الخناق على الاقتصاد الإيراني، مع اتجاه لإعلان إجراءات اقتصادية غير مسبوقة وتوسيع نطاق العقوبات الثانوية لتشمل دولاً وشركات لا تزال تتعامل مع طهران.
وتأتي هذه الضغوط بالتوازي مع استمرار الأزمة حول مضيق هرمز، الذي تحاول إيران استخدامه كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة واشنطن.
لكن الضغط الاقتصادي لا يقابله تراجع إيراني واضح في الخطاب العسكري. وبينما تتحدث شخصيات داخل النظام عن ضرورة إنهاء الحرب وإنقاذ الاقتصاد، تواصل القيادات العسكرية إطلاق التهديدات، في انعكاس للتباين بين من يبحث عن مخرج تفاوضي ومن يرى أن التراجع أمام واشنطن قد يهدد بقاء النظام.
المعادلة تبدو واضحة: إيران تحتاج إلى اتفاق، لكنها لا تريد أن يبدو الاتفاق استسلاماً، فيما يريد ترامب اتفاقاً ينتزع من طهران تنازلات حقيقية.
وفي ظل هذا الضغط، لا تبدو واشنطن متجهة مباشرة نحو حرب شاملة، بل تعتمد مزيجاً من العقوبات والضغط الاقتصادي والتهديد العسكري لدفع إيران إلى طاولة التفاوض من موقع أكثر ضعفاً.
لكن الخطر يكمن في كيفية رد طهران إذا شعرت بأن الضغط الاقتصادي يهدد قدرتها على الصمود. فقد تلجأ إلى ساحات المنطقة لرفع كلفة الضغط عليها، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة وحلفائها في لبنان والعراق واليمن وسوريا، بما قد يحول الأزمة الاقتصادية الإيرانية إلى تصعيد إقليمي جديد.
حزب الله يترك باب واشنطن مفتوحاً
في هذا السياق، تكتسب تصريحات عضو المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي أهمية خاصة. فبعد سنوات من الخطاب الرافض لأي تواصل مع الولايات المتحدة، أشار قماطي إلى أن الحزب لم يغلق الباب نهائياً أمام التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن القرار في هذا الشأن يرتبط بالمصلحة والظروف المناسبة.
الأهم أن الحزب لم يتعامل مع مبدأ التواصل باعتباره محرّماً أو مستحيلاً.
قد تبدو الإشارة صغيرة، لكنها تحمل دلالة سياسية كبيرة. فالحزب الذي لطالما وضع واشنطن في موقع العدو المباشر، يترك اليوم الباب مفتوحاً أمام إمكانية التواصل، ولو بقيت القنوات غير معلنة.
وفي المقابل، تبدو واشنطن مهتمة بإدخال القوى المؤثرة في أي تسوية لبنانية مقبلة. وقد تحدث السفير الأميركي والمبعوث الخاص توم برّاك عن ضرورة جلوس الأطراف المؤثرة إلى طاولة واحدة، في إشارة إلى إيران و«حزب الله»، بما يفتح الباب أمام احتمال تحول الملف اللبناني من مواجهة حول السلاح إلى جزء من تسوية إقليمية أوسع.
لكن هذا المسار يضع لبنان أمام سؤال أكثر حساسية: إذا كان مستقبل السلاح والحدود والأمن اللبناني سيُبحث بين واشنطن وطهران وحزب الله وإسرائيل، فما هو موقع الدولة اللبنانية في هذه المعادلة؟
السفير الإيراني واختبار الدولة
هنا تكتسب قضية السفير الإيراني في بيروت بعداً يتجاوز الملف الدبلوماسي. فمع انتهاء الوضع القانوني للسفير الذي لم تُقبل أوراق اعتماده، يصبح السؤال الأساسي: هل تستطيع الدولة اللبنانية تنفيذ قرارها إذا رفض مغادرة البلاد؟
القضية تتحول بذلك إلى اختبار لهيبة الدولة وقدرتها على تطبيق قراراتها على الجميع، بعيداً عن موازين القوى السياسية.
فنجاح الدولة في تنفيذ قرارها سيشكل رسالة بأن المؤسسات الرسمية قادرة على فرض سلطتها، بينما عجزها عن ذلك سيعيد طرح السؤال القديم حول حدود سلطة الدولة أمام القوى السياسية والأمنية الأكثر نفوذاً.
وهو اختبار لا يطال الحكومة ووزارة الخارجية وحدهم ا، بل يضع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش، أمام مسؤولية حماية القرار الرسمي وتنفيذه.
دمشق وتل أبيب: الحرب لا تقطع قناة التفاوض
في سوريا، يتحرك مسار مختلف لكنه متصل بالمشهد الإقليمي نفسه. فاجتماع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع رئيس الموساد رومان غوفمان، بعد اتصال هاتفي بينهما في 14 آب، يعكس استمرار قناة التواصل الأمني بين دمشق وتل أبيب رغم التصعيد والضربات الإسرائيلية، ولا سيما الضربة التي استهدفت قاعدة أبو الظهور.
الأهم أن دمشق لا تتحدث فقط عن تهدئة مؤقتة، بل عن استئناف مفاوضات حول اتفاق أمني مع إسرائيل، بعدما كانت الاتصالات قد قطعت شوطاً في هذا الاتجاه.
وتبدو المعادلة السورية ـ الإسرائيلية واضحة: إسرائيل تضرب عندما ترى تهديداً لأمنها، لكنها لا تغلق باب التفاوض؛ ودمشق ترفض الضربات باعتبارها انتهاكاً لسيادتها، لكنها في الوقت نفسه تبقي قنوات الاتصال مفتوحة.
أما العقدة الأساسية فتتمثل في مطالب الطرفين: سوريا تريد انسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها، فيما تريد إسرائيل ضمانات أمنية تمنع تحول الأراضي السورية إلى مصدر تهديد جديد.
وبين الطرفين تقف الولايات المتحدة، التي تحاول إدارة التوتر ومنع تحوله إلى مواجهة أوسع، في وقت تدخل فيه تركيا بقوة أكبر على خط المعادلة السورية.
وهكذا، تتحرك المنطقة اليوم على قاعدة واحدة: التفاوض لا يتوقف بسبب الحرب، بل يجري تحت ضغطها. واشنطن تضغط على إيران اقتصادياً وعسكرياً لدفعها إلى التفاوض، دمشق وتل أبيب تبقيان قناة أمنية مفتوحة رغم الضربات، و«حزب الله» يختبر للمرة الأولى منذ سنوات إمكان ترك باب التواصل مع واشنطن موارباً.
أما لبنان، فيجد نفسه في قلب هذه التحولات، أمام السؤال الأصعب: هل يصبح طرفاً في التسويات الإقليمية المقبلة، أم يتمكن أخيراً من فرض الدولة بوصفها الجهة الوحيدة التي تملك قرار الحرب والسلم والتفاوض؟
