من أعلى منصب ديني إسلامي رسمي في سوريا إلى قفص الاتهام، قطع أحمد بدر الدين حسون مسارًا طويلًا انتهى، اليوم الاثنين، بحكم با لسجن المؤبد، بعد إدانته من محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب جناية الاعتداء الذي يسبب حربًا أهلية واقتتالًا طائفيًا.
لم يكن اسم حسون عابرًا في المشهد السوري خلال سنوات الحرب. فعلى مدى أكثر من 16 عامًا، شغل منصب مفتي الجمهورية العربية السورية، وكان واحدًا من أبرز رجال المؤسسة الدينية الرسمية وأكثرهم قربًا من الرئيس السابق بشار الأسد.
من حلب إلى دار الإفتاء
ينحدر أحمد بدر الدين حسون من مدينة حلب، ونشأ في أسرة دينية. تلقى تعليمه الشرعي في سوريا قبل أن يواصل دراسته في الأزهر بمصر، ثم بدأ مساره داخل المؤسسة الدينية بتولي منصب مفتي حلب، قبل أن يصل إلى منصب مفتي الجمهورية عام 2005.
ومنذ ذلك الحين، أصبح حضوره مرتبطًا بصورة الدولة الدينية الرسمية في سوريا، وظهر بشكل متكرر إلى جانب بشار الأسد في المناسبات الدينية والرسمية.
وبحكم موقعه، لم يكن حسون مجرد رجل دين يؤدي دورًا دينيًا تقليديًا، بل تحول خلال سنوات الحرب إلى أحد الأصوات الدينية والسياسية المؤيدة للحكومة، ولا سيما في مواجهة المناطق والقوى المعارضة للنظام.
خطاب مثير للجدل خلال الحرب
برز حسون خلال سنوات الصراع السوري بتصريحات وخطب أثارت جدلًا واسعًا، واعتبرتها جهات حقوقية ومعارضة جزءًا من خطاب التحريض الذي رافق العمليات العسكرية والأمنية.
وبحسب ما عرضته المحكمة خلال المحاكمة، اتُّهم حسون باستغلال موقعه الديني الرسمي لتبرير ممارسات النظام السابق، والتحريض على المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرته، ولا سيما في حلب الشرقية وإدلب.
كما اتهمته المحكمة بإقامة علاقات وثيقة مع كبار أركان النظام السابق، بينهم بشار الأسد وعلي مملوك وعدد من كبار الضباط، إضافة إلى شخصيات وقيادات في تشكيلات مسلحة موالية للنظام.
وفي جلسة النطق بالحكم، قال القاضي فخر الدين العريان إن المؤسسة الدينية الرسمية، وعلى رأسها دار الإفتاء، استُخدمت خلال عهد النظام السابق لمنح غطاء ديني للعمليات العسكرية والأمنية وتبريرها أمام الرأي العام.
من المفتي إلى متهم بجرائم حرب
مع سقوط النظام السابق، انتهى الموقع الرسمي الذي شغله حسون لسنوات، لكن مساره لم ينتهِ عند هذا الحد.
ففي مارس/آذار 2025، ألقت قوى الأمن الداخلي القبض عليه، قبل أن تبدأ محاكمته أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق في يونيو/حز يران من العام نفسه.
وخلال جلسات المحاكمة، استمعت المحكمة إلى مرافعات النيابة العامة والادعاء والدفاع وشهادات عدد من الشهود. وكانت النيابة قد طالبت في جلسة سابقة بإنزال أقصى العقوبات بحقه، وهي الإعدام.
لكن المحكمة انتهت إلى الحكم بالسجن المؤبد.
نهاية مسار رجل دين ارتبط بالنظام
يمثل الحكم بحق حسون محطة جديدة في سلسلة المحاكمات التي تطال شخصيات ومسؤولين مرتبطين بالنظام السوري السابق.
وبينما كان حسون لسنوات أحد أبرز وجوه المؤسسة الدينية الرسمية، يضعه الحكم الصادر اليوم في موقع مختلف تمامًا: رجل دين سابق في أعلى منصب إفتائي، أصبح مدانًا قضائيًا بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وهكذا، تنتهي مرحلة طويلة من مسيرة أحمد حسون من منبر دار الإفتاء، الذي ظل يشغله لأكثر من عقد ونصف، إلى حكم بالسجن المؤبد، في واحدة من أبرز القضايا التي يواجه فيها رجال المؤسسة الرسمية السابقة تبعات أدوارهم خلال سنوات الحرب السورية.
