ترتيب المكتب قبل البدء بمهمة ما ليس نزعة مثالية أو هوسًا بالكمال، بل هو استراتيجية ذهنية حقيقية تدعمها علوم الإدراك.
لنبدأ بتحضير وصفة في مطبخ متسخ، أو نحاول إنجاز عملنا وسط مكتب يعج بالفوضى؟ على الأرجح لا. فالأمر لا يتعلق باضطراب الوسواس القهري، وإنما برد فعل بشري طبيعي. فالدماغ يستهلك قدرًا كبيرًا من طاقته في تصفية المحفزات البصرية المحيطة به، وكلما ازدحم المكان بالعناصر، زادت الطاقة التي يتعين عليه بذلها لمعالجتها، على حساب المهمة التي نريد إنجازها.
لذلك، فإن الترتيب لا يعني البحث عن النظام لمجرد النظام، بل يعني، حرفيًا، إفساح المجال أمام الدماغ للتفكير. وقد يبدو الأمر مفارقة، لكن الميل إلى الترتيب قد يكون وسيلة تساعد على مزيد من الاسترخاء والتخلص من التوتر.
كثرة المحفزات تشتت الانتباه
في عام 2011، تمكنت باحثتان من معهد علوم الأعصاب في جامعة برينستون من تصوير هذه الظاهرة. وباستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أظهرت ستيفاني ماكماينز وسابين كاستنر أن وجود عدة محفزات في الوقت نفسه ضمن مجال الرؤية يجعلها تتنافس فيما بينها على المعالجة داخل القشرة البصرية. فكل عنصر يحاول جذب الانتباه على حساب العناصر الأخرى.
وبعبارة بسيطة، فإن المكتب المزدحم بالأوراق والأغراض يضاعف عدد الأشياء التي يتعين على الدماغ فرزها وتحديد أهميتها، حتى قبل أن يبدأ التفكير في المهمة التي نريد إنجازها.
وهذا ما يفسر شعور بعض الأشخاص بحاجة شبه ملحّة إلى ترتيب المكان والتخلص من الفوضى قبل أن يتمكنوا من التركيز. فهم لا يستسلمون لنزوة أو عادة غريبة، بل يقللون من مصدر الحمل المعرفي الذي يشتت انتباههم.
وكلما قل عدد العناصر التي يتعين على الدماغ تصفيتها، زادت قدرته على تخصيص موارده لمعالجة المعلومات المهمة. ولهذا السبب، يمكن حتى لإغلاق الستائر أو إخلاء المكتب من الأشياء غير الضرورية أن يساعد على استعادة التركيز وتحسين الإنتاجية.
كيف يؤثر الترتيب في الصحة النفسية؟
العلاقة بين الفوضى والشعور بالراحة النفسية لا تتوقف عند حدود التركيز، بل تمتد أيضًا إلى المزاج ومستويات التوتر الهرموني.
في عام 2010، درس عالما النفس داربي ساكسب ورينا ريبيتي من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) نحو ثلاثين زوجًا من ذوي الدخل المزدوج. وحللا تعليقاتهم أثناء تصويرهم وهم يتحدثون عن منازلهم، إلى جانب قياس مستويات هرمون الكورتيزول في اللعاب على مدى عدة أيام.
وكانت النتيجة لافتة: الأشخاص، وخصوصًا النساء، الذين وصفوا منازلهم تلقائيًا بكلمات مرتبطة بالفوضى أو الأشياء غير المكتملة، أظهروا أنماطًا أقل صحة في مستويات الكورتيزول، وهو مؤشر يرتبط بارتفاع مستويات التوتر المزمن.
في المقابل، أظهر الأشخاص الذين استخدموا كلمات مرتبطة بالهدوء والطبيعة والشعور بالراحة والاستعادة، مستويات أكثر انتظامًا من الكورتيزول، وهو ما ارتبط بقدرة أفضل على التعافي الفسيولوجي خلال ساعات اليوم.
وهذا لا يعني أن المنزل المرتب يضمن السعادة، لكنه قد يساعد على تخفيف عبء خفي يحوّله الجسم إلى استجابات مرتبطة بالتوتر.
لذلك، إذا كنت ممن يجدون أنفسهم يرتبون المكتب أو المنزل قبل العمل أو الاسترخاء، فقد لا يكون الأمر مجرد عادة أو حب زائد للنظام. ربما يكون دماغك ببساطة يحاول إزالة الضوضاء من حوله، حتى يتمكن من التركيز على ما يهم فعلًا.
