"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

علي طاهر والمنصوري: لماذا تستهدف إسرائيل عقدتي الجنوب؟

نيوزاليست
الأربعاء، 26 أغسطس 2026

علي طاهر والمنصوري: لماذا تستهدف إسرائيل عقدتي الجنوب؟

لا تبدو تلة علي طاهر في قضاء النبطية وبلدة المنصوري في قضاء صور هدفين متشابهين للوهلة الأولى. فالأولى مرتفع يقع في قلب الجنوب، شمال الليطاني، ويشرف على النبطية ومجموعة واسعة من المحاور الداخلية، فيما الثانية بلدة ساحلية تقع في أقصى الغرب، على مقربة من مجدل زون والبياضة والمناطق التي رسّخت إسرائيل وجودها العسكري فيها.

لكن جمع الموقعين في خريطة واحدة يكشف أن استهدافهما يندرج، على الأرجح، في استراتيجية إسرائيلية أوسع تقوم على السيطرة على المرتفعات والعقد الجغرافية، وتوسيع منطقة الأمان بالنار، وقطع القدرة على المناورة والإسناد، قبل تثبيت أي واقع ميداني جديد.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الفصل بين وظيفة علي طاهر ووظيفة المنصوري.

علي طاهر: عين إسرائيل على النبطية

ترتفع مرتفعات علي طاهر نحو 600 متر، وتشرف على مدينة النبطية ومحيطها، وتقع ضمن منظومة مرتفعات تتصل جغرافياً وعسكرياً بقلعة الشقيف ومناطق الليطاني. وتكتسب أهميتها من كونها نقطة مرتفعة تسمح بالمراقبة والإشراف على محاور الحركة، وتوفر لمن يسيطر عليها أفضلية في إدارة النيران.

لهذا السبب لا تبدو المعركة عليها مرتبطة فقط بمحاولة منع استخدامها عسكرياً، بل بالسؤال الأكبر: من يملك المرتفع الذي يطل على النبطية؟

وتقول تحليلات عسكرية إسرائيلية إن المنطقة كانت جزءاً من منظومة عملياتية لحزب الله، وإن المرتفعات استُخدمت لإقامة مواقع قيادة ووسائل نيران بسبب قدرتها على مراقبة محاور الحركة والتحكم بها. كما تحدثت مصادر إسرائيلية عن وجود مجمع تحت الأرض في المنطقة، وهي معلومات ينبغي التعامل معها باعتبارها ادعاءات إسرائيلية تحتاج إلى تحقق مستقل.

لكن حتى من دون الأخذ بهذه الادعاءات، تكفي الجغرافيا لتفسير جزء كبير من الاهتمام الإسرائيلي.

فالسيطرة على علي طاهر تمنح إسرائيل نقطة مراقبة متقدمة فوق النبطية، وتقلص هامش الحركة في المنطقة، وتتيح لها تغطية نارية أفضل لأي انتشار أو تقدم لاحق.

ولهذا أيضاً لا تبدو الغارات حول علي طاهر منفصلة عن المعركة عليها. فقد استهدفت إسرائيل مناطق محيطة بالمرتفعات، في ما يمكن قراءته كمحاولة لضرب مراكز الإسناد والتموين للقوات المدافعة عن التلة وعزلها قبل أي محاولة للتقدم إليها.

المنصوري: الحلقة أمام مجدل زون

في الغرب تختلف المعادلة.

المنصوري ليست مرتفعاً يطل على مدينة كبرى مثل علي طاهر، لكن قيمتها تنبع من مكانها على الخريطة.

تقع المنصوري إلى الغرب من مجدل زون والبياضة، في المنطقة التي تحاول إسرائيل تثبيت سيطرتها عليها. وتُعد مجدل زون عقدة رئيسية بسبب طبيعة المنطقة المرتفعة والممرات التي تتحكم بها.

وهنا تصبح المنصوري مهمة.

فهي تمثل نقطة ساحلية متقدمة أمام هذا الامتداد العسكري الإسرائيلي باتجاه صور، ولذلك فإن إبقاء المنطقة تحت السيطرة النارية، أو دفع سكانها إلى الإخلاء، أو تدمير المنشآت التي يمكن استخدامها عسكرياً، يوسع عملياً هامش الأمان حول المواقع الإسرائيلية في البياضة ومجدل زون.

واللافت أن إسرائيل لا تتعامل مع المنصوري كهدف عابر، بل كجزء من نطاق أمني أوسع. وتأتي عمليات القصف والتفجير في سياق محاولات منع استخدام المنطقة كمساحة للمناورة أو الإسناد ضد مواقعها المتقدمة.

ما الذي يجمع الموقعين؟

إذا كانت علي طاهر هي عيناً مرتفعة على النبطية، فإن المنصوري هي خاصرة متقدمة أمام الامتداد الإسرائيلي نحو الساحل.

وهذا الاختلاف مهم.

في علي طاهر، الهدف الأساسي هو الارتفاع والرؤية والسيطرة على المحاور.

في المنصوري، الهدف الأساسي هو تأمين الجناح الغربي للمواقع الإسرائيلية المتقدمة، ودفع خط السيطرة النارية باتجاه الساحل، ومنع استخدام المنطقة كمنصة تهديد لمواقع الاحتلال في مجدل زون والبياضة.

وبين الموقعين تظهر استراتيجية أكثر اتساعاً.

إسرائيل لا تبدو معنية فقط بخط حدودي ضيق، بل بإقامة حزام من النقاط الحاكمة: مرتفعات في الداخل، وممرات وعقد في الغرب، ومناطق عازلة بالنار بين المواقع التي تتمركز فيها قواتها والمناطق التي لا تزال تحت السيطرة اللبنانية.

لماذا لا تكتفي إسرائيل بالسيطرة على المناطق التي احتلتها؟

هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية.

الاحتلال المباشر لبلدة أو مرتفع لا يعني بالضرورة أن المنطقة المحيطة به أصبحت آمنة عسكرياً. فإذا بقيت مناطق قريبة قادرة على توفير الإسناد أو التخفي أو المناورة أو زرع العبوات أو إطلاق المسيّرات، فإن الموقع المحتل يبقى معرضاً للضغط.

وهذا ما يجعل المناطق المحيطة بمجدل زون والبياضة حساسة بالنسبة إلى إسرائيل.

ومن هذه الزاوية، يصبح استهداف المنصوري مفهوماً ضمن محاولة إبعاد الخطر عن مجدل زون والبياضة، فيما يصبح استهداف علي طاهر مفهوماً ضمن محاولة إزالة نقطة مرتفعة يمكن أن تعرقل أي انتشار أو تقدم باتجاه النبطية.

العامل السياسي

هناك أيضاً بعد سياسي لا يقل أهمية عن العامل العسكري.

تزامنت العمليات الإسرائيلية في الجنوب مع مفاوضات حول الانسحاب من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، ومع نقاش حول نزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني. وفي المقابل، تتمسك إسرائيل بضمانات أمنية وبآلية للتحقق من خلو المناطق التي تنسحب منها من البنية العسكرية لحزب الله.

لذلك فإن تثبيت وقائع ميدانية جديدة قبل أي تفاوض أو اتفاق نهائي يمنح إسرائيل ورقة تفاوضية أقوى.

بمعنى آخر، قد يكون الهدف من القصف والتفجير والضغط العسكري مزدوجاً: إزالة ما تعتبره إسرائيل تهديدات عسكرية، وفي الوقت نفسه تحويل الوقائع التي تفرضها على الأرض إلى أوراق سياسية على طاولة المفاوضات.

الخلاصة

علي طاهر والمنصوري ليستا هدفين لأنهما متجاورتان، ولا لأن لكل منهما الوظيفة العسكرية نفسها.

إنهما هدفان لأنهما تقعان في نقطتين مختلفتين من المعادلة التي تحاول إسرائيل إعادة رسمها في جنوب لبنان.

علي طاهر تمنح من يسيطر عليها ارتفاعاً ورؤية وإشرافاً على النبطية ومحاور الداخل.

المنصوري تقع في الجناح الغربي للمنطقة التي تحاول إسرائيل تأمينها حول البياضة ومجدل زون، وتقترب جغرافياً من الطريق الساحلي المؤدي إلى صور.

وبينهما تتشكل صورة واحدة: إسرائيل تحاول تحويل السيطرة العسكرية من احتلال نقاط محددة إلى منظومة مترابطة من المرتفعات والعقد والمناطق العازلة، بحيث يصبح أي وجود لبناني أو عسكري أو مسلح خارج هذه المنظومة مكشوفاً وقابلاً للاستهداف.

وهذا يفسر لماذا لا ينبغي قراءة قصف علي طاهر والمنصوري كحادثتين منفصلتين. الأولى معركة على الارتفاع والعمق، والثانية معركة على الخاصرة والامتداد نحو الساحل؛ وفي الحالتين، المعركة الحقيقية هي على شكل الجنوب الذي سيخرج من الحرب والمفاوضات.

المقال السابق
رئيس الوزراء القطري إلى طهران لبحث خفض التصعيد
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

بعد دمج «قسد» بالدولة.. ماذا بقي من قضية أكراد سوريا؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية