تتزايد داخل إسرائيل الخلافات حول حجم عمليات تهريب الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله عبر الأراضي السورية، في وقت تتحدث فيه مصادر في المؤسسة الدفاعية الإسرائيل ية عن تصاعد المحاولات، بينما يقول الجيش الإسرائيلي إنه لا يرصد تغيراً كبيراً في مستوى التهريب خلال الفترة الأخيرة.
كشفت القناة 12 الإسرائيلية، نقلاً عن مصادر دفاعية مجهولة، أن إسرائيل رصدت زيادة في محاولات نقل الأسلحة عبر الأراضي السورية إلى لبنان، وأن الحرس الثوري الإيراني، وتحديداً قوة القدس، يقف وراء تمويل وإدارة هذه العمليات بهدف إعادة تسليح حزب الله. وتقول المصادر إن بعض الشحنات تنجح في عبور الحدود من دون اكتشافها.
لكن هذه الرواية لا تحظى بإجماع داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وتقول مصادر في الجيش الإسرائيلي إنه لم يحدث ارتفاع كبير في عمليات تهريب الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله مقارنة بنحو العامين الماضيين، أي منذ تولي أحمد الشرع السلطة في دمشق أواخر عام 2024.
كما أن السلطات السورية واللبنانية أعلنت خلال الأشهر الماضية ضبط شحنات من الأسلحة، ما يؤكد أن محاولات التهريب مستمرة، لكن حجمها الفعلي يبقى موضع خلاف.
الشرع: مكسب أمني لإسرائيل؟
منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق في كانون الأول 2024، اتخذت السلطات السورية إجراءات ضد شبكات تهريب الأسلحة التي كانت ت ستخدم الأراضي السورية لنقل السلاح إلى حزب الله في لبنان.
ورغم أن العلاقات بين دمشق وإسرائيل بقيت متوترة ولم تتحول إلى تعاون أمني معلن، فإن تضييق السلطات السورية على طرق التهريب الإيرانية شكّل، من وجهة النظر الإسرائيلية، مكسباً غير مباشر لأنه صعّب على حزب الله إعادة بناء ترسانته.
وهنا تكمن المفارقة: إسرائيل تنظر إلى النظام السوري الجديد باعتباره مصدر مخاطر محتملة، لكنها تستفيد في الوقت نفسه من إضعافه لشبكات التهريب التي كانت تعمل في عهد النظام السابق.
لماذا ظهر الخلاف الآن؟
يتزامن الجدل حول تهريب السلاح مع نقاش أوسع داخل إسرائيل بشأن طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا.
فإسرائيل تواجه ضغوطاً للحد من عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، فيما تدور نقاشات حول مستقبل المنطقة العازلة وإمكان الانسحاب من أجزاء منها، بالتزامن مع المساعي الأميركية لإعادة إطلاق التفاهمات الأمنية بين دمشق وإسرائيل.
وفي 18 آب، شن الجيش الإسرائيلي غارات على قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب، مبرراً العملية بمنع إنشاء وجود عسكري تركي في الموقع. وقالت إسرائيل إن لديها معلومات استخباراتية عن نية تركيا إقامة بنية عسكرية هناك، بينما نفت دمشق وأنقرة وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية.
وأثارت الضربة خلافاً علنياً مع واشنطن، في وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية دفع دمشق باتجاه مزيد من الانفتاح على الغرب والحفاظ على قنوات تفاوض بين سوريا وإسرائيل.
هل يُستخدم ملف التهريب لتبرير استمرار العمليات؟
هنا تكمن أهمية الخلاف الحالي.
إذا كانت عمليات تهريب السلاح الإيراني إلى حزب الله تتصاعد فعلاً، فإن إسرائيل تستطيع استخدام ذلك لتبرير استمرار حرية عملها العسكري داخل سوريا، بحجة أن الأراضي السورية لا تزال ممراً لإعادة تسليح حزب الله.
أما إذا لم يكن هناك تصاعد كبير، كما تقول مصادر في الجيش الإسرائيلي، فإن استخدام الملف لتبرير تكثيف العمليات العسكرية يصبح أكثر إثارة للجدل.
وهذا هو السبب في أن التباين بين الروايتين مهم.
فالمصادر الدفاعية التي تحدثت إلى القناة 12 تقدم صورة عن مشكلة متنامية، بينما يقدم الجيش صورة أكثر تحفظاً عن حجم التغير الفعلي.
نتنياهو تحت الضغط
يأتي هذا الجدل أيضاً في ظل اتهامات من منتقدين لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه يبالغ في تصوير التهديد السوري والتركي لأسباب سياسية وانتخاب ية.
وتزداد حساسية هذه الاتهامات بعد الضربة الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور، التي أثارت خلافاً علنياً مع واشنطن، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب دفع دمشق باتجاه مزيد من الانفتاح على الغرب والحفاظ على قنوات تفاوض بين سوريا وإسرائيل.
لكن هذه الاتهامات تبقى موقفاً سياسياً من منتقدي نتنياهو وليست حقيقة مثبتة.
في المقابل، يقول نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس إن التحرك الإسرائيلي في سوريا مرتبط باعتبارات أمنية، وخصوصاً منع أي وجود عسكري تركي يمكن أن يحد من حرية عمل الجيش الإسرائيلي.
ماذا نعرف حتى الآن؟
المؤكد أن محاولات تهريب السلاح الإيراني إلى حزب الله عبر سوريا لم تتوقف.
كما أن السلطات السورية واللبنانية تمكنت من ضبط بعض الشحنات، بينما تقول مصادر إسرائيلية إن شحنات أخرى تمكنت من تجاوز عمليات الرصد.
لكن حجم الزيادة في عمليات التهريب هو موضع الخلاف.
مصادر دفاعية إسرائيلية تتحدث عن تصاعد، فيما لا يرى الجيش الإسرائيلي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالفترة السابقة.
وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان التهريب موجوداً، بل:
هل تحوّل فعلاً إلى تهديد متصاعد يبرر استمرار إسرائيل في توسيع عملياتها داخل سوريا، أم أن حجمه لم يتغير بصورة جوهرية؟
هذا الخلاف يأتي في لحظة تحاول فيها واشنطن تهدئة التوتر بين إسرائيل وسوريا وتركيا، وإعادة الأطراف إلى مسار التفاهمات الأمنية.
