"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

صراع داخل إيران: هل تتقدم أصوات التسوية مع واشنطن على حساب المتشددين؟

نيوزاليست
الاثنين، 31 أغسطس 2026

صراع داخل إيران: هل تتقدم أصوات التسوية مع واشنطن على حساب المتشددين؟

تتزايد المؤشرات على اتساع الجدل داخل مؤسسات الحكم في إيران حول جدوى مواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة، وحدود ما يمكن تحقيقه عبر الحرب مقارنة بما يمكن انتزاعه عبر التفاوض. ويبدو أن النقاش لم يعد محصوراً بين تيار إصلاحي ومعسكر متشدد، بل امتد إلى شخصيات بارزة داخل النظام نفسه، مع تزايد التركيز على كلفة الحرب والضغوط الاقتصادية.

وفي هذا السياق، برزت مواقف من الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف تدفع، بدرجات مختلفة، نحو إبقاء باب التفاوض مفتوحاً. وكان قاليباف قد أكد أن التفاوض مع الخصوم لا يعني التنازل أو الاستسلام، وأن الحوار، عندما تقتضيه المصلحة، يجب أن يتم «من موقع قوة» مع الحفاظ على المصالح الوطنية.

وفي الاتجاه نفسه، استحضر وزير الخارجية الإيراني الأسبق علي أكبر صالحي تجربة صلح الحديبية، داعياً إلى النظر في كيفية اتخاذ النبي محمد قرارات الحرب والسلام، في إشارة إلى أن التسوية المرحلية لا تعني بالضرورة التخلي عن الأهداف بعيدة المدى.

لكن الخلاف الأكثر حساسية انفجر حول البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم. فقد قال يوسف بزشكيان، نجل الرئيس ومستشاره، إن حياة الإيرانيين لا تعتمد على التخصيب، وإنه ينبغي موازنة منافع التخصيب بتكاليفه.

أما نائب الرئيس محمد جعفر قائم بناه، فذهب أبعد من ذلك، إذ قال إنه لو كان يعلم مسبقاً أن الإصرار على التخصيب سيؤدي إلى مقتل المرشد السابق علي خامنئي، لكان تخلى عن التخصيب. وأثارت هذه التصريحات عاصفة داخل الأوساط المحافظة، باعتبارها تمس أحد أكثر الملفات حساسية في العقيدة السياسية للجمهورية الإسلامية.

في المقابل، رفضت شخصيات محافظة الرهان على المفاوضات، فيما شدد الحرس الثوري على أن الملف النووي ليس أصل المواجهة، بل ذريعة تستخدم للضغط على إيران. وهكذا يتحول النقاش حول التخصيب تدريجياً إلى نقاش أوسع حول السؤال الأكثر جوهرية: هل ينبغي لإيران أن تخوض مواجهة طويلة ومكلفة للحفاظ على أوراق قوتها، أم أن الحفاظ على النظام ومصالح الدولة يقتضي تسويات مرحلية؟

واللافت أن مجتبى خامنئي تدخل خلال الأيام الأخيرة لمحاولة احتواء هذا السجال، محذراً من الخطابات التي تعمّق الانقسام الداخلي، ومشدداً على تجنب «الثنائيات الوهمية»، ومن بينها وضع الحرب والتفاوض في موقع الخيارين المتناقضين بالضرورة. ويشير ذلك إلى أن الخلاف بات يُنظر إليه داخل القيادة باعتباره مشكلة سياسية وأمنية بحد ذاته، وليس مجرد اختلاف في وجهات النظر بين مسؤولين.

ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ضوء مذكرة التفاهم التي وقعتها طهران وواشنطن في يونيو/حزيران. فقد أقر مجتبى خامنئي آنذاك بأنه سمح بالمضي في التفاهم رغم وجود تحفظات لديه، بعد تلقيه تعهدات من بزشكيان ومسؤولين آخرين بحماية حقوق إيران ومصالحها.

وهذا يعني أن فكرة التفاوض ليست جديدة على القيادة الإيرانية، لكن الخلاف الحالي يتمحور حول الثمن الذي يمكن دفعه مقابل إنهاء الحرب أو تخفيف الضغوط، وما إذا كان الحفاظ على التخصيب والصواريخ وبقية عناصر القوة الإيرانية ممكناً من خلال اتفاق مع واشنطن أم يتطلب استمرار المواجهة.

الاقتصاد يضغط على القرار السياسي

في موازاة السجال السياسي، تتفاقم الضغوط الاقتصادية. فقد تجاوز التضخم السنوي في إيران مستويات مرتفعة جداً، فيما تحذر تقديرات اقتصادية من أن استمرار الحرب والحصار والتوتر قد يدفع التضخم إلى مستويات تقارب 100% أو أكثر بحلول نهاية السنة الإيرانية في مارس/آذار المقبل.

لكن هذه الضغوط لا تعني تلقائياً أن الاقتصاد الإيراني أو النظام السياسي يقتربان من الانهيار. فإيران تمتلك خبرة طويلة في إدارة اقتصاد واقع تحت العقوبات، فيما يعتمد النظام على أدوات متعددة لتوزيع الدعم واحتواء الصدمات على الفئات الأكثر ضعفاً، فضلاً عن قدرته على تحويل جزء من كلفة الأزمة إلى المجتمع عبر التضخم وتراجع القوة الشرائية.

لذلك، فإن الخطر الحقيقي بالنسبة إلى النظام ليس مجرد ارتفاع الأسعار، بل أن تتحول الكلفة الاقتصادية للحرب إلى عامل سياسي يضغط على مراكز القرار نفسها. وكلما ارتفعت كلفة المواجهة، أصبح السؤال عن جدوى استمرارها أكثر إلحاحاً داخل مؤسسات الحكم.

معركة الخيارات لا معركة المواقف فقط

المشهد الإيراني الحالي لا يوحي بأن معسكر التسوية انتصر، ولا بأن المتشددين فقدوا قدرتهم على فرض خياراتهم. الأرجح أن المعركة تدور حول تحديد متى يكون التفاوض أداة من أدوات القوة، ومتى يتحول إلى تنازل يُفقد إيران أوراقها الاستراتيجية.

ومن هنا يمكن فهم موقف قاليباف: فهو لا يدعو إلى التفاوض من موقع ضعف، بل إلى استخدامه كأداة ضمن منظومة القوة الإيرانية. وفي المقابل، فإن أصواتاً مثل صالحي وبزشكيان وقائم بناه تركز بصورة أكبر على كلفة المواجهة وضرورة إعطاء الأولوية لبقاء الدولة ومصالح المجتمع.

المؤشر الأهم في المرحلة المقبلة سيكون موقف القيادة من التخصيب تحديداً: فإذا ظهرت مرونة إيرانية في هذا الملف، ولو من خلال صيغة مؤقتة أو تفاهم مرحلي، فسيكون ذلك دليلاً على أن حسابات الكلفة بدأت تتغلب على خطاب المواجهة. أما إذا أُعيد تثبيت التخصيب باعتباره خطاً أحمر غير قابل للمساومة، فسيعني ذلك أن الأصوات الداعية إلى التسوية لم تتمكن بعد من تغيير المعادلة الأساسية داخل النظام.

في الحالتين، يكشف السجال الحالي عن تحول مهم: النقاش في طهران لم يعد فقط حول كيفية الانتصار في المواجهة مع الولايات المتحدة، بل حول ما إذا كان استمرار المواجهة هو في حد ذاته مصلحة لإيران.

المقال السابق
استطلاع: غالبية اليهود الأميركيين تتابع انتخاباتها وتفضّل فوز المعارضة
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

دراسة اسرائيلية: حزب الله يحافظ على وجوده في «المناطق التجريبية» عبر منظمات مدنية

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية