مع اكتمال التسوية بين دمشق والقوى الكردية، ودخول «قسد» فعلياً في عملية الاندماج في مؤسسات الدولة السورية وصولاً إلى إعلان حلها رسمياً، تنتقل الخريطة السورية إلى م رحلة جديدة. فإحدى أبرز مناطق النفوذ الخارجة عن سيطرة دمشق عادت إلى إطار الدولة، بينما تبقى السويداء الحالة الأوضح التي لم تُحسم علاقتها بالسلطة المركزية.
وفي هذا السياق، تبدو التطورات الأخيرة في السويداء أكثر من مجرد خلاف إداري أو أمني. فمنع الطلاب والمراقبين من الانتقال إلى مراكز الامتحانات الواقعة خارج المناطق الخاضعة للفصائل المحلية يعكس استمرار واقع خاص بالمحافظة، ورفضاً لعودة مؤسسات الدولة إليها بالشكل الذي تريده دمشق.
وتأتي هذه الخطوة بعد أيام قليلة من اكتمال المسار الكردي، الأمر الذي يطرح سؤالاً سياسياً أكبر: هل بدأت السويداء تفتح ملفها الخاص مع دمشق بعد إغلاق الملف الكردي؟
السؤال يكتسب وزناً أكبر مع رفع الشيخ حكمت الهجري سقف خطابه تجاه إسرائيل. ففي أحدث مواقفه، تحدث عن الدروز باعتبارهم «جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، وتحدث عن القواسم المشتركة معهم، فيما سبق له أن أكد أن إسرائيل تدخلت لحماية الدروز خلال المواجهات السابقة، وأن العلاقة معها ليست وليدة اللحظة.
وهذا الخطاب لا يمكن فصله عن التحول الذي طرأ على المشهد السوري. فبعد أن انتهت معادلة «قسد» باعتبارها قوة عسكرية وإدارية مستقلة عن دمشق، أصبحت السويداء أمام اختبار مختلف: هل تعود إلى سلطة الدولة المركزية، أم تكرس لنفسها ترتيبات أمنية وسياسية خاصة؟
حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى الخيار الثاني.
فالفصائل المحلية لا ترفض فقط انتشار القوى الحكومية، وإنما تتمسك بإدارة شؤون المحافظة من داخلها، وتتعامل مع مؤسسات دمشق باعتبارها طرفاً يجب التفاوض معه على شكل العلاقة، لا سلطة يمكنها ببساطة استعادة نفوذها السابق.
وهنا تظهر إسرائيل كعامل إقليمي مهم في المشهد، خصوصاً بعدما تحولت خلال المواجهات السابقة إلى طرف مباشر في معادلة الجنوب السوري. وقد تدخلت عسكرياً في محيط السويداء، وقدمت نفسها باعتبارها تتحرك لحماية الدروز، فيما تطورت العلاقة بين إسرائيل وبعض القوى الدرزية إلى أحد عناصر المشهد السياسي والأمني في الجنوب.
لكن أهمية إسرائيل في المرحلة الحالية لا تتعلق فقط بما إذا كانت تدعم هذا الطرف أو ذاك، وإنما بالسؤال الأوسع حول ما الذي يمكن أن تكسبه إسرائيل من بقاء الجنوب السوري خارج السيطرة المركزية الكاملة؟
وهنا تبرز المفارقة الإقليمية.
تركيا كانت معنية طوال السنوات الماضية بمنع قيام بنية كردية عسكرية مستقلة على حدودها. ومع انتهاء هذا الملف واندماج «قسد» في الدولة السورية، تكون أنقرة قد حققت تحولاً أساسياً في أحد أكبر ملفاتها السورية. وفي المقابل، تملك إسرائيل مصلحة واضحة في ألا تتحول سوريا الجديدة إلى دولة مركزية قوية قادرة على بسط حضور عسكري وأمني كامل في الجنوب.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التطورات الحالية باعتبارها انتقالاً في مراكز الثقل داخل الصراع السوري.
في الشمال، انتهت تجربة الحكم والإدارة الكردية المستقلة عسكرياً، وعادت المنطقة إلى إطار الدولة السورية.
وفي الجنوب، تبرز السويداء بوصفها المنطقة التي لا تزال تحتفظ بترتيبات أمنية ومحلية مستقلة، فيما أصبح خطاب قيادتها الدينية والسياسية أكثر وضوحاً في الحديث عن علاقتها بإسرائيل.
وهذا لا يعني أن السويداء أصبحت «ملفاً إسرائيلياً»، وإنما يعني أن المشهد الدرزي بات جزءاً من الحسابات الإقليمية بصورة أكثر وضوحاً، وأن أي تسوية بين دمشق والسويداء ستجري في بيئة مختلفة عن تلك التي كانت قائمة قبل التدخل الإسرائيلي المباشر في الجنوب.
الأهم أن ما يحدث يأتي بعد تغير موازين القوى. فدمشق لم تعد تتعامل مع «قسد» باعتبارها قوة تسيطر على مساحة واسعة من شمال وشرق البلاد، بل أصبحت أمام واقع أقرب إلى الدولة الموحدة عسكرياً وإدارياً. وهذا يجعل مسألة بقاء السويداء خارج منظومة الدولة أكثر بروزاً، وربما أكثر إلحاحاً بالنسبة إل ى السلطة السورية.
في المقابل، فإن القوى المحلية في السويداء تدخل أي تفاوض مع دمشق وهي تمتلك أوراقاً لم تكن متوافرة سابقاً: واقعاً أمنياً مستقلاً، دعماً شعبياً متفاوتاً، علاقات إقليمية، وحدوداً جغرافية تجعل إسرائيل طرفاً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية للجنوب.
ومن هنا يمكن قراءة تصريحات الهجري الأخيرة باعتبارها جزءاً من رفع سقف التفاوض على مستقبل السويداء، في لحظة أعادت فيها التسوية الكردية ترتيب المشهد السوري كله.
فبعد أن حُسمت معادلة الشمال، هل بدأت معركة الجنوب؟
ربما لا تكون القضية في طريقها إلى مواجهة عسكرية جديدة بالضرورة، وإنما إلى معركة سياسية حول شكل العلاقة بين السويداء ودمشق: هل تكون المحافظة جزءاً من دولة مركزية تستعيد تدريجياً سلطتها على كامل الأراضي السورية، أم تحصل على ترتيبات خاصة تجعلها حالة مختلفة داخل سوريا الجديدة؟
وفي هذه المعادلة، تبدو تركيا وقد تمكنت من تثبيت مصالحها في الشمال، فيما تجد إسرائيل في تعقيدات الجنوب مساحة للحفاظ على أوراقها. وبينهما تقف دمشق أمام الاختبار الأصعب: هل تستطيع، بعد استعادة الشمال عبر التسوية، استعادة الجنوب عبر تسوية أخرى، أم أن السويداء ستتحول إلى آخر ملف مفتوح على شكل الدولة السورية ؟
