كشف تقرير لمنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) عن نواقص في منظومة السلامة والرقابة في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، أبرزها عدم امتلاك المطار شهادة اعتماد سارية، إلى جانب غياب هيئة مستقلة وفاعلة ومكتملة الصلاحيات للتحقيق في حوادث الطيران. وتأتي هذه الملاحظات في وقت تعمل فيه الإدارة اللبنانية على استيفاء الشروط اللازمة لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان.
وقال وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إن لبنان يتوقع الحصول على شهادة الاعتماد خلال أيام، مؤكداً أن العمل جارٍ لمعالجة الملاحظات الواردة في التقرير.
لكن أهمية الملف تتجاوز الحصول على شهادة إدارية، إذ ترتبط النواقص المسجلة بمتطلبات السلامة والاستعداد للطوارئ والقدرة على الرقابة والتحقيق، وهي مسائل قد تؤخر استئناف الرحلات الأميركية حتى لو توافرت الإرادة السياسية لذلك.
ماذا تعني الملاحظات الواردة في التقرير؟
أولاً: عدم وجود شهادة اعتماد سارية للمطار
شهادة الاعتماد تثبت أن الم طار يستوفي المتطلبات التنظيمية والتشغيلية ذات الصلة بسلامة الطيران. وعدم وجود شهادة سارية يعني أن وضع الاعتماد يحتاج إلى معالجة وتأكيد رسمي لاستيفاء الشروط المطلوبة.
لكن ذلك لا يعني، في حد ذاته، أن المطار مغلق أو أن جميع الرحلات التي يستقبلها غير آمنة. فاستمرار الرحلات من وإلى بيروت لا يلغي ضرورة استكمال إجراءات الاعتماد، كما أن انتهاء الشهادة أو غيابها لا يكفي وحده للحكم على مستوى سلامة كل رحلة.
ثانياً: نواقص في الاستعداد للطوارئ ومكافحة الحرائق
أشار التقرير إلى مخاوف تتصل بخطة الطوارئ وبمدى كفاية قدرات مكافحة الحرائق للتعامل مع الطائرات الكبيرة. وهذه التجهيزات أساسية للتعامل مع حوادث الهبوط والإقلاع والحرائق، إذ تتطلب الطائرات الكبيرة إمكانات بشرية وتقنية مناسبة لحجم المخاطر المحتملة.
ومعالجة هذه النواقص لا تقتصر على توفير المعدات، بل تشمل أيضاً جاهزية الفرق، ووضوح المسؤوليات، والتنسيق بين الجهات المعنية، والقدرة على الاستجابة ضمن المعايير المطلوبة.
ثالثاً: نقص المفتشين المؤهلين
تحتاج منظومة الطيران إلى مفتشين متخصصين لمراقبة الالتزام بالمعايير الفنية والتشغيلية، والتحقق من تط بيق إجراءات السلامة، ومتابعة معالجة المخالفات. وأي نقص في عدد هؤلاء أو في كفاءاتهم قد يضعف القدرة على الرقابة المستمرة، حتى لو كانت التجهيزات الأساسية متوافرة.
رابعاً: غياب هيئة مستقلة للتحقيق في حوادث الطيران
هذه من أبرز النقاط المؤسسية في التقرير. فوجود جهة مستقلة للتحقيق في حوادث الطيران يساعد على تحديد الأسباب الفنية والتنظيمية للحوادث، بعيداً عن تضارب المصالح أو الضغوط المحتملة من الجهات التي قد تكون معنية بالحادث.
والتحقيق المستقل لا يهدف فقط إلى تحديد المسؤوليات، بل إلى استخلاص الدروس ومنع تكرار الحوادث. لذلك، فإن غياب هذه الهيئة أو عدم اكتمال فاعليتها يثير تساؤلات بشأن قدرة لبنان على إجراء تحقيقات مستقلة وفق المعايير الدولية.
لماذا قد يؤخر ذلك الرحلات المباشرة بين بيروت والولايات المتحدة؟
كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن في تموز 2026 توجيهاً يتيح العمل على استئناف الرحلات الجوية الأميركية المباشرة إلى لبنان، بعد انقطاع استمر عقوداً. لكن القرار السياسي لا يكفي وحده لإعادة تشغيل الخطوط.
فالعودة تتطلب استكمال التقييمات والموافقات المعنية، بما فيها المتطلبات الأمنية التي تنظر فيها السلطات الأميركية المختصة، مثل إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) وإدارة أمن النقل (TSA)، إلى جانب قرارات شركات الطيران نفسها.
وبالتالي، فإن معالجة متطلبات الاعتماد والسلامة في مطار بيروت تمثل جزءاً من المسار، لا ضمانة تلقائية لاستئناف الرحلات. وحتى إذا حصل لبنان على الشهادة التي تحدث عنها الوزير، فقد تبقى هناك إجراءات وتقييمات أخرى يتعين استكمالها قبل أن تعود الرحلات المباشرة فعلياً.
هل يعني ذلك أن مطار بيروت غير آمن؟
لا يمكن استخلاص هذا الحكم من الملاحظات وحدها. الأدق أن التقرير يسلط الضوء على نواقص في الاعتماد والرقابة والاستعداد للطوارئ والتحقيق في الحوادث، وهي مسائل يتعين على السلطات اللبنانية معالجتها والتحقق من استيفائها للمعايير المطلوبة.
كما أن توقع الوزير صدور شهادة الاعتماد خلال أيام لا يعني أنها صدرت بالفعل، ولا يؤكد وحده أن جميع الملاحظات الأخرى قد عولجت.
تكمن أهمية التقرير في أنه يضع ملف مطار بيروت أمام اختبار يتجاوز استعادة الرحلات الأميركية: هل تستطيع الدولة اللبنانية استكمال منظومة متكاملة وموثوقة للسلامة والرقابة والتحقيق المستقل؟
إن الحصول على شهادة الاعتماد خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية المسار. فاستئناف الرحلات المباشرة إلى الولايات المتحدة يبقى مرتبطاً باستكمال المتطلبات الفنية والأمنية، والحصول على الموافقات اللازمة، ثم اتخاذ شركات الطيران قراراتها التشغيلية.
