استكمل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الخميس، تشكيل حكومته بعد أكثر من خمسة أشهر على توليه منصبه، مع إقرار البرلمان تعيين 11 وزيراً وثلاثة نواب لرئيس الوزراء، بينهم قيادي بارز في حركة «عصائب أهل الحق» المقرّبة من إيران، والخاضعة لعقوبات أميركية.
وجاءت التعيينات الجديدة في ظل تفاهمات مع واشنطن، قالت مصادر دبلوماسية لوكالة الصحافة الفرنسية إنها تضمنت موافقة أميركية ضمنية على مشاركة شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة موالية لطهران، مقابل تعهدات من الزيدي بالمضي في خطة حصر السلاح بيد الدولة وضمان عدم استهداف المصالح الأميركية في العراق.
وتكشف هذه المقاربة عن معادلة تسعى الحكومة العراقية إلى تثبيتها: استيعاب القوى المسلحة ذات النفوذ السياسي داخل مؤسسات الدولة، مقابل محاولة إخضاع سلاحها لسلطة الحكومة، في وقت تتشابك فيه الضغوط الأميركية مع نفوذ إيران وحلفائها في بغداد.
تفاهمات مع واشنطن
وقال مصدر دبلوماسي في بغداد لـ«فرانس برس» إن الزيدي حصل على موافقة أميركية ضمنية خلال زيارته الولايات المت حدة في أيلول الماضي للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب المصدر، غضّت الإدارة الأميركية الطرف عن مشاركة شخصيات مقرّبة من إيران في الحكومة، بعدما تعهّد الزيدي بالمضي في خطته لنزع سلاح الفصائل المسلحة وتقديم ضمانات بعدم استهدافها المصالح الأميركية داخل العراق.
وأضاف المصدر أن واشنطن تريد مساعدة رئيس الوزراء العراقي على تنفيذ خطته، في ظل استمرار الخلاف بشأن السلاح خارج سلطة الدولة، والنفوذ الذي تتمتع به الفصائل المتحالفة مع إيران داخل المؤسسات السياسية والأمنية.
ولا تعني هذه الموافقة، وفق المعطيات المتاحة، تخلي واشنطن عن اعتراضاتها على تلك الفصائل، بقدر ما تعكس، بحسب المصادر الدبلوماسية، استعداداً للتعامل مع التوازنات السياسية العراقية بهدف دفع مسار حصر السلاح بيد الدولة.
ليث الخزعلي نائباً لرئيس الوزراء
برز اسم ليث الخزعلي، القيادي في حركة «عصائب أهل الحق» وشقيق أمينها العام قيس الخزعلي، بعدما صادق البرلمان على تعيينه نائباً لرئيس الوزراء، في خطوة تمنح الحركة حضوراً إضافياً على مستوى السلطة التنفيذية.
وتُعد «عصائب أهل الحق» من أبرز الفصائل العراقية المقرّبة من إيران. وكانت الولايات المتحدة قد صنّفتها منظمة إرهابية أجنبية عام 2020، كما أدرجت قيس وليث الخزعلي على قوائم العقوبات والإرهاب، واتهمت الحركة بتنفيذ هجمات استهدفت القوات الأميركية وقوات التحالف في العراق.
واعتقلت القوات الأميركية ليث الخزعلي عام 2007 على خلفية اتهامات مرتبطة بهجوم في كربلاء أسفر عن مقتل خمسة جنود أميركيين، قبل إطلاقه عام 2009. كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عليه عام 2019، مستندة إلى دوره القيادي في الحركة واتهامات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان.
وعزّزت «عصائب أهل الحق» حضورها السياسي بفوزها بـ27 مقعداً من أصل 329 في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ما منحها وزناً إضافياً في البرلمان وفي المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة.
تسليم السلاح مقابل تثبيت النفوذ؟
كانت «عصائب أهل الحق» من الفصائل التي أعلنت استعدادها لتسليم أسلحتها إلى الدولة، وأطلقت هذه العملية في حزيران الماضي، وسط نقاشات بشأن مستقبل الجماعات المسلحة ودورها السياسي والعسكري.
وبحسب تقرير «فرانس برس»، لم يرتبط اسم الحركة بالهجمات الأخيرة على المصالح الأميركية، خلافاً لفصائل أخرى تنضوي تحت مظلة ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، التي أعلنت تنفيذ هجمات على مصالح أميركية داخل البلاد وفي المنطقة خلال الحرب الإقليمية.
ويضع ذلك الحكومة أمام اختبار صعب: هل يمكن تحويل استعداد بعض الفصائل للتخلي عن السلاح إلى مسار فعلي يعيد احتكار القوة إلى الدولة، أم أن دخول قياداتها إلى الحكومة سيكرّس نفوذها السياسي من دون ضمانات كافية بشأن مستقبل أجنحتها المسلحة؟
كتائب سيد الشهداء إلى وزارة السياحة
ولم تقتصر مشاركة القوى المرتبطة بالفصائل المسلحة على «عصائب أهل الحق». فقد أفاد مصدر دبلوماسي ثانٍ لـ«فرانس برس» بأن واشنطن وافقت ضمنياً على استكمال تشكيلة الحكومة بمشاركة قوى أخرى، بينها «كتائب سيد الشهداء»، التي حصل مرشح مدعوم منها على وزارة السياحة، رغم تمسك الفصيل بالاحتفاظ بسلاحه.
وسبق لواشنطن أن تعاملت مع حكومات عراقية شاركت فيها قوى مدرجة على قوائمها السوداء، لكن التطورات الحالية تأتي في سياق إقليمي أكثر تعقيداً، مع تصاعد المواجهة الأميركية الإيرانية وتداعياتها على العراق.
ونقل التقرير عن المصدر الدبلوماسي الأول قوله إن الظروف في بغداد تغيرت، وإن واشنطن مستعدة لتعديل أساليب تعاملها بما يخدم مصالحها، حتى عندما يستلزم ذلك التعامل مع أطراف سبق أن صنفتها جهات أميركية إرهابية.
وقارن المصدر بين التعامل الأميركي مع حكومة الزيدي وموقف واشنطن من الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الذي سبق أن صنفته الولايات المتحدة إرهابياً قبل توليه السلطة عقب الإطاحة ببشار الأسد في نهاية عام 2024.
مهلة جديدة لحصر السلاح بيد الدولة
كانت حكومة الزيدي قد حددت في البداية 30 أيلول موعداً نهائياً لتسليم الفصائل أسلحتها إلى الدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية». لكن الحكومة تراجعت لاحقاً عن الموعد، وحددت 30 حزيران 2027 موعداً جديداً لاستكمال مسار حصر السلاح.
وتستند الفصائل المسلحة إلى استمرار التحديات الأمنية لتبرير الاحتفاظ بقدراتها العسكرية، فيما تواجه الحكومة صعوبة في الموازنة بين نفوذ هذه الجماعات والتزاماتها بتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية.
ويُعد حصر السلاح بيد الدولة أحد أبرز تعهدات الزيدي، إلى جانب الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد وتعزيز سيادة العراق. غير أن اكتمال التشكيلة الحكومية يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة رئيس الوزراء على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية، ولا سيما أن بعض القوى التي يُفترض أن يشملها مسار نزع السلاح أصبحت ممثلة في أعلى مستويات السلطة.
وفي المحصلة، لا تكمن دلالة التعيينات الجديدة في المناصب التي حصلت عليها القوى المقرّبة من إيران فحسب، بل في المقايضة السياسية التي توحي بها: قبول أميركي ضمني، وفق مصادر دبلوماسية، بمشاركتها في الحكومة، في مقابل تعهدات لم يُحسم بعد مدى القدرة على تنفيذها بشأن السلاح والنفوذ العسكري خارج مؤسسات الدولة.
