"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

مصرفٌ في باراغواي أسقط رئيسًا… ومصارفُ لبنان أسقطت المودعين

رئيس التحرير: فارس خشّان
السبت، 7 نوفمبر 2026

في باراغواي، تبيّن للمصرف المركزي أنّ بنك «أوينو» لم يعد يملك ما يكفي من رأس المال لتحمّل خسائره. فتدخّل في 2 تشرين الثاني، وبدأ إجراءات لحصر أموال البنك وموجوداته وحمايتها، وتسديد الودائع ضمن حدود الضمان. بعد أربعة أيام، عزل مجلس الشيوخ رئيس الجمهورية سانتياغو بينيا. وفي اليوم الخامس، أمر القضاء بحبسه احتياطيًا وبحبس الحاكم السابق للمصرف المركزي. وفي صلب القضية سؤال واضح: كيف وُظّفت أموال عامة في مصرف يرتبط بشركة كان الرئيس مساهمًا فيها؟

لمزيد من التفاصيل: انهيار بنك يطيح برئيس باراغواي… والقضاء يوقفه احتياطيًا

في لبنان، انهار النظام المصرفي برمّته، فتصرّفت المصارف كأنّ المشكلة هي أنّ للناس أموالًا عندها ويريدونها. حدّدت لكلّ مودع كم يسحب من ماله، ومتى يسحبه، وبأيّ سعر يُحتسب. صار صاحب الحساب يحمل فاتورة المستشفى إلى المصرف ليثبت أنّه يحتاج فعلًا إلى ماله. وبعد سبع سنوات، لم يُحبس مسؤول سياسي واحد في إطار مساءلته عن دوره في الانهيار نفسه.

ولمجلس النواب مسؤولية مباشرة عن هذا الانقلاب على المودعين. فمنذ خريف 2019، ترك المصارف تضع قواعد السحب والتحويل كلٌّ على هواها. وبينما كان النواب يتجادلون في قانون يضبط القيود، كانت المصارف تفرضها كلّ صباح. بهذا الامتناع، ترك المجلس للمصرفي أن يشرّع عند الشبّاك، وأن يقرّر مَن ينتظر ومَن يُستثنى. والمجلس نفسه الذي ترك الخسائر تقع على المودع يناقش اليوم حصّته منها، كأنّ دوره بدأ يوم وصل إليه مشروع لتوزيعها.

وفي الحكومة، يجلس حُماة المصارف إلى طاولة تقرير مصير الودائع. ويكفي أن ننظر إلى ترتيب الأسئلة لنعرف مَن يفاوضون باسمه. كم يمكن أن نعيد إلى المودع؟ على كم سنة؟ وكم عليه أن يخسر؟ أمّا السؤال عن قرارات مجالس إدارات المصارف، وعن مسؤولية أصحابها، وعمّا سيتحمّلونه من الخسائر، فيُرحّل إلى ما بعد التفاهم على نصيب المودع منها. وحين تبدأ الحكومة من المبلغ الذي ستقتطعه من حقّ صاحب المال، تكون قد منحت المصارف أهمّ ما تريده من التسوية قبل أن تبدأ.

ورياض سلامة لم يبقَ في حاكمية مصرف لبنان حتى تموز 2023 بقوّة العادة. أبقته السلطة التي كان عليها أن تسائله، وتركته يدير تبعات الانهيار من الموقع الذي أدار منه السياسات السابقة له. وحين أُوقف في أيلول 2024، بعد نحو خمس سنوات من بدء الكارثة، كان توقيفه في ملف «أوبتيموم»، على خلفية اتهامات بجرائم مالية تتعلّق بعمليات محدّدة وبمنفعة شخصية مزعومة. ووضعُ كلّ المسؤولية على سلامة بعد خروجه من الحاكمية هو أسهل ما يمكن أن يفعله الذين أبقوه فيها. فالحاكم له قراراته، وللحكومات قراراتها، ولمجالس إدارات المصارف تواقيعها، وللجهات الرقابية صلاحياتٌ يُسأل أصحابها كيف استخدموها ولماذا امتنعوا عن استخدامها.

ولهذا النفوذ منابره أيضًا. لأصحاب مصالح مصرفية حصص في وسائل إعلام، ولهم حلفاء يدافعون عن مصالحهم في مجلس النواب والمقارّ الدستورية. وعندما يدخل المال المصرفي في ملكية المنبر، يدخل في صلب صناعة قراره: ما الذي يستحقّ تحقيقًا، ومَن يجلس في الاستديو، وأيّ سؤال يتصدّر النشرة. هكذا يُستدعى المودع ليروي كيف عجز عن دفع فاتورة علاجه، ثم يُستدعى المدافع عن المصارف ليشرح له لماذا عليه أن يقبل بأقلّ من ماله. أمّا صاحب المصرف، فقلّما يبدأ النقاش من السؤال الذي يعنيه مباشرة: ماذا فعلت بأموال الناس، وكم ستتحمّل أنت من الخسارة؟

في باراغواي، قاد انهيار مصرف واحد إلى مساءلة رئيس الجمهورية وحاكم المصرف المركزي السابق خلال أيام. وفي لبنان، قاد انهيار قطاع كامل إلى سبع سنوات من محاصرة المودع، فيما بقي لحُماة المصارف نفوذهم في المجلس الذي يشرّع، وفي الحكومة التي تفاوض، وفي الإعلام الذي يروي للناس ما جرى. والآن يريدون من المودع أن يوقّع على التسوية. قبل أن تطلبوا توقيعه، أخرجوا تواقيعكم.

المقال السابق
ترامب يصعّد المواجهة مع الديمقراطيين.. اتهامات بالابتزاز وأوامر بفتح تحقيق
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

خطايا ترامب

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية