"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

الإسرائيليون ينتعشون اقتصادياً… ونحن تحت الركام

رئيس التحرير: فارس خشّان
الجمعة، 23 أكتوبر 2026

ثمة مفارقة تختصر جانباً أساسياً من مأساة الشرق الأوسط: محورٌ رفع شعار «رمي إسرائيل في البحر»، فإذا به يترك شعوبه في مواجهة الدمار والجوع والتفقير واليأس، فيما تسجّل إسرائيل تراجعاً في التضخم وتحسّناً في الأجور الحقيقية، رغم الحروب والتوترات الأمنية التي تخوضها على جبهات متعددة.

ليست المسألة مقارنة دعائية بين اقتصاد وآخر، ولا إنكاراً للأثمان التي يدفعها الإسرائيليون نتيجة الحروب، بل مساءلة استراتيجية لمشروع سياسي وعسكري جعل المواجهة غاية بحد ذاتها، من دون أن يحدّد بوضوح كيف تتحوّل التضحيات إلى انتصار قابل للقياس، أو كيف تُترجم الشعارات إلى حماية فعلية للمجتمعات التي يُفترض أنها تقاتل باسمها.

فبحسب الأرقام الإسرائيلية، تراجع التضخم السنوي إلى 1.6 في المئة في أيلول 2026، بعدما بلغ 2.4 في المئة في كانون الثاني. كما ارتفع الأجر الحقيقي بنسبة 5.1 في المئة خلال السنوات الأربع الأخيرة، وفق البيانات المتداولة، في مؤشر إلى تحسّن القدرة الشرائية للأجراء.

الغباء الاستراتيجي لمحور الممانعة ليس في عجزه عن هزيمة إسرائيل فحسب، بل في إصراره على خوض حروب تُنهك مجتمعاته وتدمّر اقتصاداتها، فيما يواصل خصمه تحسين مؤشرات اقتصاده ورفع الأجور الحقيقية. من شعار محو إسرائيل إلى واقع محو مقومات الحياة في لبنان وإيران، تتكشّف حصيلة مشروع جعل الشعوب وقوداً لمعاركه، من دون أن يقدّم لها في المقابل أمناً أو ازدهاراً أو أملاً بالمستقبل.

وفي سوق العمل، بلغ معدل الوظائف الشاغرة 4.3 في المئة في أيلول، فيما ارتفعت الأجور الاسمية في القطاع الخاص بوتيرة سنوية بلغت 5.3 في المئة خلال الفترة الممتدة من أيار إلى تموز. وهي مؤشرات تعكس قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على مواصلة العمل واستقطاب اليد العاملة، على الرغم من الضغوط التي تفرضها المواجهات العسكرية.

ولا يقتصر المشهد الإسرائيلي على تراجع التضخم وتحسّن الأجور الحقيقية، بل يمتد إلى تراكم الثروة واتساع الاستهلاك. ففي نهاية حزيران الماضي، بلغت الأصول المالية التي يمتلكها الجمهور الإسرائيلي نحو 7.623 تريليون شيكل، أي ما يعادل 347.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بعدما كانت 5.047 تريليون شيكل قبل أربع سنوات، بزيادة تقارب 51 في المئة.

وتنعكس هذه الثروة في مظاهر الحياة اليومية: مطاعم مزدحمة، ومشتريات متزايدة، وسفر متنامٍ إلى الخارج، وإقبال على السيارات ومراكز التسوق والعروض.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من العام، سافر 7.31 مليون شخص إلى الخارج، مقارنة بـ7.11 مليوناً في الفترة نفسها من العام الماضي، فيما يُتوقع أن تقترب السيارات الجديدة التي تدخل الطرق الإسرائيلية خلال العام من 300 ألف سيارة، وهو مستوى قياسي محتمل.

وتُظهر بيانات الاستهلاك أيضاً ارتفاع المشتريات ببطاقات الائتمان، بالتوازي مع تراجع أسعار بعض السلع، ومنها الملابس والأحذية والأثاث، بفعل المنافسة وتدفق الواردات.

تكشف هذه الصورة قدرة اقتصادهم على مواصلة توليد الثروة والاستهلاك رغم الحرب والقلق الأمني.

في المقابل، تواجه إيران، التي جعلت من المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة محوراً أساسياً في سياستها الإقليمية، أزمات اقتصادية متراكمة، تفاقمت بفعل الحرب والعقوبات واضطراب التجارة وتراجع الاستثمار. والنتيجة أن الإيرانيين يجدون أنفسهم أمام تدهور في القدرة الشرائية وارتفاع في تكاليف المعيشة ومخاوف متزايدة على فرص العمل ومستقبل أبنائهم.

أما لبنان، فقصته أكثر إيلاماً، لأنه لا يواجه تبعات انهياره المالي الطويل فحسب، بل يدفع أيضاً أثمان المواجهات العسكرية التي زجّت به في حروب تتجاوز قدرته على تحمّل نتائجها. وبين الدمار والنزوح وتعطّل الأنشطة الاقتصادية وتراجع فرص العمل، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام سؤال يتجاوز السياسة اليومية: من يقرّر الحرب، ومن يدفع ثمنها، ومن يتحمّل مسؤولية إعادة بناء ما تهدّم؟

هنا تحديداً تظهر فداحة الخلل الاستراتيجي. فالمشكلة ليست في أن محور الممانعة لم يحقّق كل أهدافه العسكرية، إذ إن الحروب لا تُقاس بنتائجها الميدانية وحدها، بل في الفجوة بين الأهداف المعلنة والكلفة الفعلية والنتائج التي حصدتها المجتمعات. حين يكون الهدف المعلن تغيير موازين القوى وفرض معادلات ردع جديدة، بينما تتراجع قدرة السكان على تأمين الغذاء والسكن والتعليم والعلاج، يصبح من المشروع السؤال عن جدوى الخيارات التي أوصلت الأمور إلى هذا الحد.

والأخطر أن هذا الخلل لا يقتصر على سوء تقدير معركة أو خسارة جولة. إنه يمسّ مفهوم القوة نفسه. فالقوة ليست ترسانة صواريخ فحسب، ولا القدرة على فتح جبهة جديدة أو تهديد خصم بعيد، بل أيضاً القدرة على حماية المجتمع، وصون الاقتصاد، وتوفير شروط الحياة الكريمة، ومنع تحويل الأجيال المقبلة إلى رهائن لحروب لا تعرف متى تنتهي.

لقد تصرّف محور الممانعة، في محطات كثيرة، كما لو أن إلحاق الأذى بإسرائيل يكفي لإثبات النجاح، حتى عندما كانت الكلفة التي تدفعها المجتمعات المحيطة به أكبر من المكاسب التي يستطيع تحقيقها. لكن إضعاف الخصم لا يعني تلقائياً تقوية الذات، وإرباك الاقتصاد الإسرائيلي لا يساوي بناء اقتصاد لبناني أو إيراني قادر على الصمود. وبين الأمرين مسافة استراتيجية هائلة، لا تسدّها الشعارات ولا الخطابات التعبوية.

ولا يعني ذلك أن إسرائيل خرجت من الحروب بلا أثمان، أو أن مؤشرات اقتصادها تلغي الأضرار البشرية والنفسية والأمنية التي تكبّدها مجتمعها. لكن الفارق الذي يستحق التأمل هو أن استمرار الحرب لم يمنعها، حتى الآن، من تسجيل مؤشرات اقتصادية إيجابية في بعض المجالات، فيما تواجه مجتمعات أخرى تدميراً في البنية التحتية، وتراجعاً في فرص العيش، وتآكلاً في الأمل بالمستقبل.

من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه محور الممانعة ليس كيف يرمي إسرائيل في البحر، بل لماذا انتهى به الأمر إلى دفع شعوبه نحو بحر من الدمار والجوع والتفقير واليأس. وأي مشروع لا يستطيع أن يشرح لمجتمعه كيف يحوّل التضحيات إلى أمن واستقرار وازدهار، ولا يملك تصوراً واقعياً لوقف نزيف الخسائر وإعادة بناء ما تهدّم، يكون قد أخفق في أهم اختبار للاستراتيجية: خدمة المجتمع الذي يدّعي الدفاع عنه.

فالأوطان ليست ساحات مفتوحة إلى ما لا نهاية، والشعوب ليست ذخيرة بشرية لمعارك الآخرين. والانتصار الذي لا يحمي الحياة ولا يصون الكرامة ولا يفتح أفقاً اقتصادياً واجتماعياً، يبقى انتصاراً ناقصاً مهما ارتفعت الشعارات. أما الاستمرار في الطريق نفسه، مع تكرار النتائج ذاتها وانتظار معجزة مختلفة، فليس صموداً استراتيجياً، بل إصرار على دفع الأثمان من حساب الشعوب.

المقال السابق
التوقيت الشتوي: كيف تحمي نومك ومزاجك وشهيتك من اضطراب تغيير الساعة؟
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

إسرائيل وإيران ولبنان: هل اقتربت ساعة المواجهة قبل الثلاثاء؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية