ثمة هوّة تتسع في تجربة نواف سلام الحكومية بين ما يقوله وما يفعله، بين صورة رجل الدولة الذي يرفع راية الإصلاح وبناء المؤسسات، وواقع رئيس حكومة يشارك في تسويات المحاصصة والمحسوبيات، ثم يعود ليطلق شعارات فضفاضة عن الدولة العادلة والمؤسسات القوية والوحدة الوطنية، كأن المشكلة في لبنان تكمن في نقص المواعظ لا في وفرة الذين يتجاوزونها عندما تتعارض مع مصالحهم.
آخر تجليات هذه المفارقة جاء غداة تجديد ولاية بسّام بدران رئيساً للجامعة اللبنانية خمس سنوات. فبعدما أثار المسار التشريعي الذي أتاح لبدران الترشح لولاية ثانية اعتراضات انتهت إلى إبطال المجلس الدستوري أجزاء من القانون الذي أتاح ذلك، عاد مجلس الوزراء ليعيّنه، في قرار أ حاطت به انتقادات سياسية وقانونية، وسط اتهامات بأن التسوية التي أفضت إليه راعت إرادة رئيس مجلس النواب نبيه بري.
ليست المسألة هنا التعرض لبدران أو الطعن في كفاءته، بل السؤال عن المعايير التي تحكم التعيينات العامة: هل تُختار القيادات على أساس قواعد واضحة وتنافس متكافئ، أم تصبح المواقع العامة أوراقاً في تفاهمات أهل السلطة، بحيث يحصل كل طرف على حصته، ثم يتحدث الجميع عن استقلال المؤسسات؟
الأكثر إحباطاً أن نواف سلام ليس مراقباً من خارج السلطة، ولا معارضاً يستطيع الاكتفاء بتشخيص العلل. إنه رئيس الحكومة والشريك في القرارات التي تُتخذ تحت سقفها. لذلك، حين يعلن خلال افتتاح معرض الكتاب أن «لا يمكن أن نطالب بدولة عادلة ونقبل بالمحسوبية حين تخدمنا، أو نطالب بمؤسسات قوية ثم نتجاوزها حين لا تناسبنا قراراتها، أو ندعو إلى الوحدة الوطنية فيما نواصل تغذية الانقسامات»، فإنه يضع نفسه، من حيث يدري أو لا يدري، أمام امتحان مباشر: هل تنطبق هذه المبادئ على حكومته أيضاً؟
وواصل سلام انتقاداته للسلوك السلطوي وقال:“لا يكفي أن نضع قوانين جديدة إذا استمرينا في التعامل مع القانون بوصفه قابلا للاستثناء أو مع المؤسسات بوصفها أدوات لخدمة المصالح الخاصة”.
لو كان سلام خارج السلطة، لأمكن ال تعامل مع كلامه بوصفه موقفاً إصلاحياً عاماً. أما وهو في قلب القرار، فإن شعاراته تتحول إلى التزامات يفترض أن تُقاس على خياراته الفعلية. ولا يكفي أن يصف المحسوبية بأنها نقيض الدولة العادلة إذا كانت حكومته تمضي في تسويات تثير الشبهات بشأن تكافؤ الفرص واستقلال التعيينات.
وتجديد ولاية بدران ليس الواقعة الوحيدة التي تثير هذه الأسئلة. فقد سبقت ذلك موافقات حكومية على تعيينات وتفاهمات أثارت انتقادات بشأن استمرار منطق المحاصصة، سواء في ما نُسب إلى تفاهمات راعت مصالح بري أو في ملفات ارتبطت بتوازنات القوى المحيطة برئيس الجمهورية جوزاف عون. وفي كل مرة، تبدو الاعتبارات السياسية قادرة على فرض نفسها، فيما يُترك خطاب الإصلاح ليؤدي وظيفة تجميلية لا تغيّر جوهر الممارسة.
لا يعني ذلك أن كل تعيين يحظى بموافقة طرف سياسي هو بالضرورة تعيين غير قانوني، ولا أن كل تسوية حكومية تشكل مخالفة. لكن تكرار القرارات التي تثير أسئلة عن معايير الاختيار وشفافية الإجراءات يفرض على رئيس الحكومة أن يقدّم أكثر من تبريرات عامة، وأن يثبت أن القواعد التي يدعو إلى احترامها ليست انتقائية.
هنا تحديداً تكمن طوباوية شعارات سلام: أنها تفترض دولة مؤسسات فيما الممارسة السياسية لا تزال محكومة بتوازنات القوى، وتَعِد بمواجهة المحسوبية فيما التسويات تستمر، وتدعو إلى الوحدة الوطنية فيما يتكرّس منطق توزيع النفوذ. أما إحباطية ممارساته، فمصدرها أنه لا يكتفي بالعجز عن إحداث القطيعة الموعودة مع هذا النهج، بل يشارك في إدارة السلطة التي تنتجه، ثم يتحدث عن ضرورة التخلص منه.
إن أخطر ما يصيب خطاب الإصلاح ليس أن يعارضه خصومه، بل أن يفقد صدقيته لدى الذين انتظروا من أصحابه أن يحوّلوه إلى ممارسة. فحين يصبح رئيس الحكومة شريكاً في التسويات التي ينتقد منطقها، يفقد كلامه عن الدولة العادلة كثيراً من قوته، مهما بدا جميلاً أو سليماً من الناحية النظرية.
وليس المطلوب من سلام أن يحكم بلا تفاهمات، فلبنان لا يُدار في فراغ سياسي. المطلوب ألا تتحول التفاهمات إلى ذريعة دائمة لتعليق المعايير، وألا تصبح ضرورات التوافق غطاءً لإعادة إنتاج المحاصصة. والأهم أن تكون لديه الجرأة على رفض التسوية عندما تتعارض مع القواعد التي يقول إنه جاء لحمايتها.
فالدولة لا تُبنى بالخطب، ولا تستعيد المؤسسات هيبتها بترداد أسمائها، ولا تصبح المحسوبية مقبولة لمجرد أنها جاءت في إطار اتفاق سياسي. وبين طوباوية شعارات نواف سلام وإحباطية ممارساته، تتآكل الثقة بأن الإصلاح يمكن أن يبدأ من داخل السلطة نفسها.
المشكلة، في النهاية، ليست أن نواف سلام يقول كلاماً خاطئاً عن الدولة، بل أنه يقول الكلام الصحيح، ثم يشارك في ممارسات تجعل تحقيقه أبعد منالاً.