في مقر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في تامبا، فلوريدا، تنعقد اليوم الثلاثاء وغداً الأربعاء اجتماعات تقنية بين وفود من الجيوش اللبنانية والإسرائيلية والأميركية.
هدف هذه الاجتماعات تنشيط الآليات التنفيذية التي يتضمنها الملحق الخاص باتفاق الإطار الموقّع بين بيروت وتل أبيب وواشنطن.
أثار ثبات الموعد وحصول الاجتماعات استياء أعداء اتفاق الإطار، الذين ظنوا، في الأسابيع القليلة الماضية، أنه سقط إلى غير رجعة.
كما تثير هذه الاجتماعات مخاوف «حزب الله»، على اعتبار أن أي نتائج يمكن أن تسفر عنها، مهما كانت متواضعة، ستكون ضده، باعتباره «الطبق الرئيسي» على المائدة.
«حزب الله» هو الطبق الرئيسي على مائدة اجتماعات تامبا.
بطبيعة الحال، لن يكون النقاش سهلاً في هذه الاجتماعات، فالوفدان اللبناني والإسرائيلي، وإن انطلقا من جوهر «اتفاق الإطار»، وهو وجوب نزع سلاح «حزب الله» ومنع عودته إلى المناطق التي سيتم الانسحاب الإسرائيلي منها، إلا أنهما يختلفان على نقطة الانطلاق الواجب توافرها: الثقة!
الجيش اللبناني لا يثق بنيات إسرائيل لجهة الانسحاب الكامل من جنوب لبنان وتركه يقوم بواجباته من دون أي تدخل عسكري أو أمني أو ميداني منها. وهو يعتبر أن الجيش الإسرائيلي، بإصراره على استهداف المناطق التي تجاور المنطقة النموذجية الأولى، كاستهدافه الدائم لزوطر الشرقية الملاصقة لزوطر الغربية، وكذلك القرى المجاورة للمنطقة الصفراء التي يُفترض أن تكون بعهدة الجيش اللبناني، كالمنصوري، يضعف موقع الجيش والسلطة في وجدان الجنوبيين، ويسمح للدعاية المؤيدة لـ«حزب الله» بالانتشار.
«استهداف المناطق التي يُفترض أن تكون بعهدة الجيش اللبناني يضعف موقع الجيش والسلطة في وجدان الجنوبيين».
في المقابل، يركز الجيش الإسرائيلي على ما يسميه تفلّت الجيش اللبناني من تعهداته. وقبل ساعات قليلة من انعقاد أولى اجتماعات تامبا، اليوم الثلاثاء، وزّع ما اعتبره وثائق عن نشاط «حزب الله» في نقطة تعهّد الجيش اللبناني بتفكيكها، وقال إن الحزب تمكّن من سحب أسلحته منها ونقلها إلى أماكن أخرى. كما جدّد اتهامه للمؤسسة العسكرية باحتضان ضباط ينسّقون مع «حزب الله» ويعطونه معلومات سرية.
وهذا يعني أن الجيش الإسرائيلي يستحيل أن يثق بقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ أي من تعهداته، وأنه يبرّر بذلك اضطراره إلى القيام بما يقوم به، لأنه لن يسمح بالعودة إلى حالة ما قبل الثامن من أكتوبر.
إسرائيل تشكّك في قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ تعهداته، وتتمسّك بحقها في مواصلة تدخلاتها العسكرية.
وهذا يعني أن الجيشين اللبناني والإسرائيلي لا يزالان، حتى تاريخه، في النقطة التي انطلقا منها: انعدام الثقة!
ومن شأن هذا أن يؤخر أي تقدم.
الحل المقترح أميركياً، والذي لم تنضج ظروفه لبنانياً بعد، هو التالي: بناء الثقة يحتاج إلى تنسيق مباشر بين الجيشين، بحيث يعالجان، عبر اتصالات مباشرة، كل ما يمكن أن يؤدي إلى تدهور الواقع الميداني.
وبالنسبة إلى الأميركيين، يقترب هذا الاقتراح من استحقاق قد يفرض نفسه: انتهاء ولاية «اليونيفيل» وعدم الاتفاق على بديل لها، الأمر الذي من شأنه أن يفرض هذا الحل على لبنان.
الجيش اللبناني لا يرغب في هذا التنسيق في الوقت الحاضر، ولكن لا يمكنه أن يرفض كل ما هو مطروح عليه بالمطلق، لأنه يدرك أن تقدم المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، ولو بالنقاط، يساعده في الحصول على ما يبتغيه، وفي مواصلة بناء نفسه وتحوّله إلى جيش بكل ما للكلمة من معنى.
«بناء الثقة يحتاج إلى تنسيق مباشر بين الجيشين، بحيث يعالجان باتصالات مباشرة كل ما يمكن أن يؤدي إلى تدهور الواقع الميداني».
وفي انتظار التقدم على هذا المستوى، سيبقى لبنان يعاني من منطقة صفراء، ومن النزوح والتهديدات، في ظل إصرار «حزب الله» على أن سلاحه «خط أحمر»، وأن «مقاومته مستمرة»، وأن المفاوضات تنازل وخضوع وخيانة.
ولكن لبنان يقترب من ساعة الحقيقة؛ ساعة تفصله بين أن يكون دولة أو وقوداً لحرب لا تنتهي، في ظل تفوق إسرائيلي يغذّي طموحات تعميق المنطقة العازلة، وصولاً إلى السيطرة على جبال الريحان.