تحت قبة البرلمان، تبنّى «حزب الله» رسمياً شحنة المتفجرات الضخمة التي ضبطتها الأجهزة الأمنية المختصة في ضهر البيدر. لم يتلعثم النائب حسن فضل الله، ولم يتبرّأ من الشحنة، بل أعلن أن السيارة والمواد المضبوطة تعودان إلى الحزب، وأنه طالب باستعادتهما.
أي منطق هذا الذي يجعل صاحب السلاح هو نفسه المرجع الذي يحدّد شرعيته، ويمنح نفسه حق تقرير مصيره؟
تحت قبة البرلمان، يقول الحزب للبنانيين إنه ينقل أخطر المتفجرات عبر الأراضي اللبنانية، من دون أن يرى في ذلك ما يستوجب الخضوع لسلطة الدولة أو تقديم حساب إليها. يقرّ بملكية الشحنة، ويحدّد بنفسه طبيعة استخدامها ووجهتها، ثم يطالب باستعادتها، وكأن المؤسسات الأمنية والقضائية ليست صاحبة الاختصاص، وكأن لبنان مستودع مفتوح لسلاحه ومتفجراته.
تحت قبة البرلمان، يعلن فضل الله أن هذا العمل هو «مقاومة»، وأن سلاح الحزب موجّه حصراً نحو العدو. هكذا، بكلمة واحدة، يريد الحزب أن يمنح نفسه حصانة مسبقة، وأن يحوّل كل ما يمتلكه وينقله ويقرّر استخدامه إلى فعل مشروع، لا يحق للدولة أن تسأل عنه أو أن تحاسبه عليه. أي منطق هذا الذي يجعل صاحب السلاح هو نفسه المرجع الذي يحدّد شرعيته، ويمنح نفسه حق تقرير مصيره؟
«تراجعوا عن قراراتكم، وإلا تحمّلتم عواقب الاستمرار فيها». هكذا تُخاطَب الدولة، وهكذا يُراد للمؤسسات أن تفهم حدود سلطتها.
تحت قبة البرلمان، يصف فضل الله قرار السلطة ضد ما يسميه المقاومة بأنه باطل، ويقول إنه بلا مفاعيل على الأرض. أي وقاحة أكبر من أن يقف نائب تحت سقف المؤسسة التشريعية ليعلن، باسم تنظيم مسلح، أن قرارات الدولة لا قيمة لها ما دامت لا توافق إرادته؟ وأي استخفاف بسيادة لبنان أكبر من أن تصبح الشرعية انتقائية، نافذة حين تناسب الحزب، وباطلة حين تمسّ بسلاحه؟
تحت قبة البرلمان، يحذّر السلطة من «مغبة التمادي» في قراراتها، ويؤكد أن «المقاومة ستدافع عن أهلها». إنه منطق الترهيب المقنّع بلغة الحرص على السلم الأهلي: تراجعوا عن قراراتكم، وإلا تحمّلتم عواقب الاستمرار فيها. هكذا تُخاطَب الدولة، وهكذا يُراد للمؤسسات أن تفهم حدود سلطتها، لا وفق الدستور والقانون، بل وفق ما يسمح به الحزب وما يرفضه.
تحت قبة البرلمان، يرسل فضل الله رسائله إلى الجميع: إلى الحكومة، والأجهزة الأمنية، والقضاء، وكل من يعتقد أن الدولة تملك حق السؤال والمحاسبة. يريد للحوار أن يستمر، لكن من موقع القوة التي لا تُمسّ؛ وللسلم الأهلي أن يُصان، لكن بشرط ألا تقترب الدولة من قراراته؛ وللسلطة أن تتحمل مسؤولياتها، شرط ألا تستخدم صلاحياتها حيث لا يرضى الحزب.
أن يتبنّى حزب مسلح شحنة متفجرات، وأن يعلن أن سلاحه خارج سلطة الدولة، ثم يحذّرها من مغبة ممارسة صلاحياتها… تلك هي المفارقة التي تختصر المشهد.
تحت قبة البرلمان، يتهم فضل الله رئيس الحكومة وبعض الجهات بإثارة الفتنة لأنهم ربطوا الشحنة باحتمال التحضير لاغتيالات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه لا تمحوه الاتهامات ولا تبدّده الشعارات: ما الذي كانت تحمله السيارة، ولماذا كانت تنقله، وإلى أين؟ إن التحقيق هو الذي يجب أن يجيب عن هذه الأسئلة، لا صاحب الشحنة، ولا الحزب الذي يعلن بنفسه أن ما يملكه ليس موضع مساءلة.
تحت قبة البرلمان، يتجاهل الحزب أن الدولة اللبنانية قدّمت تعهدات للمجتمع الدولي ببسط سلطتها واحتواء السلاح الخارج عن مؤسساتها. يتجاهل أن لبنان لا يستطيع أن يطالب العالم بمساعدته على استعادة سيادته، فيما يعلن طرف داخلي أن قرارات السلطة لا مفاعيل لها، وأنه سيواصل الاحتفاظ بسلاحه واستخدامه وفق حساباته الخاصة. فكيف تستقيم تعهدات الدولة مع إعلان الحزب، من قلب البرلمان، أنه غير معني بمفاعيل قراراتها؟
تحت قبة البرلمان، يتمسّك فضل الله بمسار يتيح للحزب الاحتفاظ بقدراته العسكرية، في وقت لا يزال لبنان يدفع أثمان الحروب والدمار والنزوح والانهيار. وكأن ما أصاب اللبنانيين لم يكن كافياً، وكأن من حق جهة واحدة أن تقرر متى تبدأ المواجهة، ومتى تتوقف، وما المخاطر التي ينبغي للبلد بأسره أن يتحملها.
هذه هي الوقاحة بعينها: أن يتبنّى حزب مسلح شحنة متفجرات، وأن يعلن أن سلاحه خارج سلطة الدولة، وأن يصف قراراتها بالباطلة، ثم يحذّرها من مغبة الاستمرار في ممارسة صلاحياتها.
أما الإرهاب السياسي، فليس في إطلاق الأوصاف جزافاً، بل في تحويل القوة المسلحة إلى وسيلة لترهيب الدولة، وإرغام مؤسساتها على التراجع، وإبقاء اللبنانيين رهائن قرار لا يملكون المشاركة فيه.
تحت قبة البرلمان، كان يفترض أن تكون الكلمة للدستور، وأن تكون السلطة للقانون، وأن تكون الدولة المرجع الأخير في السلاح والأمن والحرب والسلم. لكن ما سمعه اللبنانيون كان إعلاناً معاكساً: حزب يقرّ بملكية المتفجرات، ويتمسك بسلاحه، ويرفض مفاعيل قرارات الدولة، ويحذّرها من عواقب عدم التراجع.
فإذا كانت الدولة لا تستطيع أن تسأل عن المتفجرات، ولا أن تفرض قراراتها، ولا أن تحتكر قرار الحرب والسلم، فما الذي يبقى من الدولة؟