"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

عاصفة رضوخ سلام لبرّي مستمرة

رئيس التحرير: فارس خشّان
الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

لم تكن إعادة تعيين بسام بدران رئيساً للجامعة اللبنانية لخمس سنوات إضافية مجرد قرار إداري عابر، بل محطة سياسية كرّست، مرة جديدة، قدرة نبيه بري على فرض إرادته في التعيينات العامة، وأظهرت أن حكومة نواف سلام لم تتمكن من الخروج من منطق المحاصصة الذي تعهّدت بتغييره.

حكومة ترفع شعار الإصلاح، لكنها تعجز عن حماية قراراتها من التوازنات السياسية

فبعد التجاذبات التي رافقت ملف رئاسة الجامعة، والاعتراضات التي أثارها المسار التشريعي الهادف إلى تسهيل استمرار بدران في منصبه، انتهى الأمر بمجلس الوزراء إلى إعادة تعيينه لولاية جديدة. وبذلك، لم تقتصر النتيجة على حسم اسم رئيس الجامعة، بل امتدت إلى تكريس معادلة سياسية مفادها أن التوازنات التقليدية لا تزال قادرة على تحديد وجهة القرارات الحكومية، حتى عندما يتعلق الأمر بمؤسسة أكاديمية يفترض أن تكون الأولوية فيها للكفاءة والاستقلالية.

أي نهج يحكم الدولة: نهج المؤسسات والكفاءة، أم نهج النفوذ السياسي الذي يجعل التعيينات امتداداً للمحاصصة؟

في هذا الملف، تبدو حكومة نواف سلام وكأنها قدّمت تنازلاً سياسياً لمصلحة نبيه بري. فالرئيس الذي رفع شعار الإصلاح وتغيير أساليب إدارة الدولة يجد نفسه أمام قرار يعيد إنتاج الممارسات التي قامت الانتقادات الموجهة إلى الطبقة السياسية على أساسها: التفاهمات المسبقة، وتوزيع النفوذ، وتقديم التسويات على الاعتبارات المؤسساتية.

وليس جوهر المشكلة في شخص بسام بدران وحده، بل في الطريقة التي انتهى بها الملف. فحين تتحول التعيينات في المؤسسات العامة إلى نتائج لتوازنات القوى، بدلاً من أن تكون حصيلة معايير معلنة وتنافس على أساس الكفاءة، يصبح الحديث عن الإصلاح مجرد شعار لا يغيّر قواعد اللعبة.

لقد كان يفترض بحكومة سلام أن تشكّل فرصة لكسر هذه الحلقة، لا أن تنتهي إلى التسليم بها. أما إعادة تعيين بدران، في سياق التجاذب الذي أحاط بالملف، فتكرّس الانطباع بأن إرادة رئيس مجلس النواب قادرة على فرض إيقاعها على الحكومة، وأن الوعود بتغيير نهج التعيينات تصطدم مجدداً بواقع المحاصصة.

ردة فعل رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية فكانت الامتثال لمشيئة رئيس مجلس النواب. سقطت حكومة سلام سريريًا!

تكتسب القضية أهمية إضافية لأن الجامعة اللبنانية ليست إدارة عادية أو موقعاً سياسياً يمكن التعامل معه بمنطق توزيع الحصص. إنها الجامعة الوطنية التي تستقبل عشرات آلاف الطلاب، وتشكل رافعة أساسية للحراك الاجتماعي، ويُفترض أن تكون نموذجاً في الاستقلال الأكاديمي والإدارة القائمة على الكفاءة.

لكن ما جرى يعيد طرح السؤال عن المعايير التي تحكم اختيار رؤساء المؤسسات العامة: هل تُقدَّم الكفاءة والخبرة والخطة الإصلاحية، أم أن القدرة على الحصول على الغطاء السياسي تبقى العامل الحاسم؟

إن تكريس هذا المنطق لا يضر فقط بصورة الحكومة، بل يضرب ثقة العاملين في الجامعة بإمكان إحداث تغيير فعلي. فالأستاذ الجامعي الذي ينتظر إصلاحاً في الإدارة الأكاديمية، وتطويراً للبرامج، ومعالجة لملفات التفرّغ والتعيينات، يجد نفسه أمام مشهد يعيد الاعتبار إلى نفوذ القوى السياسية في تحديد مصير المؤسسة.

والأخطر أن المحسوبية لا تحتاج دائماً إلى قرار معلن بتجاوز الكفاءة. يكفي أن تصبح التفاهمات السياسية هي التي تحسم الخيارات، وأن تتراجع الشفافية في المعايير والإجراءات، حتى يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح المؤسسات رهينة موازين القوى.

لعلّ أكثر ما يختصر حجم التراجع في حكومة نواف سلام ما كتبه مستشار التعليم العالي المستقيل عدنان الأمين في معرض تبريره قراره. فالأمين، الذي عمل من داخل وزارة التربية على ملفات إصلاح التعليم العالي، قدّم توصيفاً بالغ الدلالة لموقف رئاستي الجمهورية والحكومة من الضغوط السياسية التي أحاطت بالجامعة اللبنانية، قائلاً: «أما ردة فعل رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية فكانت الامتثال لمشيئة رئيس مجلس النواب. سقطت حكومة سلام سريرياً».

وهنا تكمن المفارقة: حكومة جاءت وسط وعود بتغيير النهج السياسي والإداري تجد نفسها أمام استحقاق يعيد إنتاج النهج نفسه. فالإصلاح لا يُقاس بالخطابات أو بالعناوين الحكومية، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عن ضغوط المحاصصة، ولا سيما في المواقع التي يفترض أن تُدار وفق معايير مهنية وأكاديمية.

إن الرضوخ في هذا الملف لا يعني مجرد التراجع في مواجهة بري، بل يوجّه رسالة إلى بقية المؤسسات العامة مفادها أن التعيينات قد تظل خاضعة لمنطق النفوذ السياسي، وأن قواعد المحاسبة والشفافية لا تكفي وحدها لتغيير الواقع ما لم تُترجم إلى قرارات فعلية.

المقال السابق
وفاة RJ Mitte نجم «Breaking Bad» عن عمر 34 عاماً.. رحيل مؤثر لممثل كرّس مسيرته للدفاع عن ذوي الإعاقة
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

صواريخ "الحوثي" ومتفجرات "حزب الله"

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية