عاد رئيس الحكومة نواف سلام اليوم إلى النبطية، حاملاً معه دفعة جديدة من مشاريع إعادة الإعمار، في زيارة أرادها تأكيداً لحضور الدولة في المدينة والجنوب، وللتزام الحكومة بمسار التعافي وإعادة البناء. وأعلن من بلدية النبطية إطلاق 23 مناقصة في قضاء النبطية، تشمل إزالة العوائق وترميم الطرق وتأهيل مراكز الإيواء وتجهيزات طبية وإنقاذ واتصالات، مع التحضير لمشاريع إضافية تشمل ترميم مستشفيات وتأهيل شبكات الكهرباء والمياه.
لكن النبطية التي عاد إليها سلام اليوم ليست تماماً النبطية التي كان يتحدث عنها في زياراته السابقة.
في المرحلة الأولى، كان عنوان العمل هو إعادة إعمار الأضرار التي خلفتها الحرب السابقة، واستعادة البنية التحتية والمرافق والخدمات التي تضررت، بما يسمح بعودة الأهالي والحياة الاقتصادية والإدارية إلى المدينة. وفي آب الماضي، أكد سلام أن النهوض بالنبطية يشكل أولوية ضمن مسار النهوض بالجنوب وتثبيت عودة أهله.
ثم جاءت حرب جديدة، وأضيف دمار جديد إلى الدمار الموجود أصلاً. وفي أيلول، كانت رئاسة الحكومة تتحدث عن أضرار جديدة أصابت المدينة، وعن ضرورة تأمين استمرار عمل المرافق العامة وتلبية حاجات المواطنين.
واليوم، يعود سلام إلى النبطية ليعلن عن ورشة جديدة من المناقصات والمشاريع.
وهنا تبدأ قصة «إبريق الزيت».
ليست المسألة أن الدولة لم تبدأ بالإعمار، بل العكس تماماً. المسألة أن ورشة الإعمار نفسها تبدو وكأنها تتحرك في دائرة: أضرار، ثم مشاريع لإعادة البناء، ثم أضرار جديدة، ثم مشاريع جديدة لإعادة البناء.
والمفارقة أن الدولة مطالبة في الوقت نفسه بأن تفكر في الإعمار كخطة طويلة الأمد، لا كاستجابة مؤقتة للدمار. فالمشاريع التي أعلن عنها سلام تحتاج إلى تمويل وتنفيذ ووقت واستقرار، فيما إعادة بناء مدينة ومرافقها ليست عملية تنتهي بمجرد إطلاق المناقصات.
سلام نفسه أدخل هذا البعد إلى خطابه اليوم. فهو لم يتحدث فقط عن الطرق والمرافق والمستشفيات، بل سأل صراحة: ماذا لو اندلعت حرب جديدة في المنطقة؟ وهل يقبل لبنان بأن يدفع الجنوب ثمنها مرة أخرى؟ وقال إن الضمانة الحقيقية هي قيام «دولة قادرة وفاعلة»، بجيش واحد وقرار واحد، ولا سيما في قرار الحرب والسلم.
وهنا تتحول النبطية من مجرد عنوان للإعمار إلى اختبار لمشكلة أوسع: كيف يمكن للدولة أن تخطط لإعمار طويل الأمد إذا بقي احتمال الحرب قائماً؟
وكيف يمكن وضع موازنات وخطط تمتد لسنوات، إذا كان منع الدمار الجديد يحتاج قبل كل شيء إلى قدرة الدولة على التحكم بمسار الحرب والسلم؟
هذه ليست مسألة تقنية تخص مجلس الإنماء والإعمار وحده، ولا مسألة مالية يمكن حلها بزيادة عدد المناقصات. إنها مسألة استدامة: من يبني يجب أن يعرف كيف يحمي ما يبنيه، ومن يضع خطة للإعمار يجب أن يمتلك، بالحد الأدنى، القدرة على تقليص احتمال أن تعود الحرب لتهدم ما تم بناؤه.
ومن هنا تبدو النبطية اليوم كأنها تختصر المفارقة اللبنانية كلها: سلام يأتي ليبني، فيما السؤال الأكبر ليس فقط كم سيكلف البناء، بل من يضمن ألا يأتي دمار جديد ليعيد الدولة إلى نقطة البداية؟
فهل تكون المناقصات الـ23 بداية ورشة إعمار مستقرة، أم حلقة جديدة في «قصة إبريق الزيت» التي تعود فيها الدولة إلى المكان نفسه كلما انتهت حرب وبدأت أخرى؟