في لبنان، ليست كل مقابلة تلفزيونية مجرد عمل إعلامي. أحياناً تكون المقابلة رسالة سياسية، ويصبح اختيار الضيف والمنبر والتوقيت جزءاً من مضمون الرسالة نفسها.
من هذه الزاوية، لا يمكن فصل إطلالة رئيس الحكومة نواف سلام على شاشة «NBN» عن المشهد السياسي الذي يحيط بها. فالقناة هي منبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيما يأتي ظهور سلام في لحظة يرفع فيها «حزب الله» مستوى اعتراضه على الحكومة وسياساتها، ولا سيما في ملف السلاح ودور الدولة في الجنوب.
أن تفتح شاشة بري مساحتها لسلام في هذه اللحظة يحمل دلالة تتجاوز المقابلة نفسها.
إنها إشارة، وإن كانت غير مباشرة، إلى تموضع بري على مسافة من بعض الأدبيات التي يعتمدها «حزب الله» في مواجهة الحكومة.
فالحزب يتعامل مع ملف السلاح بوصفه موضوعاً سياسياً مفتوحاً للنقاش والصراع، فيما جاء سلام ليقول شيئاً مختلفاً تماماً: لا حاجة إلى العودة إلى الصفر، لأن المطلوب هو تطبيق ما تم الاتفاق عليه.
وهنا تكمن أهمية كلامه.
سلام لم يأتِ إلى شاشة «NBN» ليطلب حواراً جديداً مع «حزب الله»، ولم يقل إن الحوار هو المدخل إلى معالجة مسألة السلاح. بل نفى، في جوهر موقفه، الحاجة إلى إعادة التفاوض على ما سبق أن أُقرّ، واضعاً القضية في إطار تنفيذ الالتزامات والقرارات التي اتفق عليها اللبنانيون.
وبذلك، فإن سلام لم يقدم تنازلاً سياسياً كي يظهر على شاشة بري. على العكس، استخدم المنبر ليؤكد موقف الدولة كما هو.
لكن الأهم هو أن بري اختار أن يمنحه هذا المنبر.
وهذا الاختيار يحمل معنى سياسياً في حد ذاته.
فبري لا يعلن قطيعة مع «حزب الله»، ولا يدخل في مواجهة علنية معه، ولا يتخلى عن موقعه المعروف. لكنه، في المقابل، لا يبدو مستعداً لأن يجعل موقفه السياسي نسخة عن خطاب الحزب في مواجهة الحكومة.
ثمة فرق يتسع بين إدارة بري للتوازن السياسي وبين أدبيات المواجهة التي يعتمدها الحزب.
بري يترك للحكومة مساحة للعمل، ويفتح لشخص رئيسها شاشة قريبة منه، فيما تتقدم في الجنوب عناوين العودة وإعادة الإعمار وحضور الدولة. وهذه كلها مؤشرات إلى أن الأولويات السياسية بدأت تتغير، أو على الأقل إلى أن هناك من يريد التعامل معها بطريقة مختلفة عن منطق التصعيد المفتوح.
الرسالة التي خرجت من شاشة بري،أكثر أهمية: يمكن لرئيس الحكومة أن يقول الكلام الذي يريده على شاشة رئيس مجلس النواب، في وقت يخوض فيه الحزب مواجهة سياسية معه.
وهذه وحدها إشارة إلى أن بري لا يسير في كل الطريق الذي ترسمه أدبيات «حزب الله».
إنه إعادة تموضع لا تُعلن في البيانات، بل تظهر في السلوك السياسي، وفي اختيار المساحات، وفي ترك الحكومة تعمل، وفي إعطاء الجنوب أولوية العودة والإعمار والاستقرار، بدلاً من تحويل كل خلاف إلى مواجهة جديدة.
في السياسة اللبنانية، قد لا يحتاج رئيس مجلس النواب إلى أن يقول: «أنا على مسافة من هذا الخطاب». أحياناً تكفي شاشة التلفزيون لكي تقول ذلك عنه.