"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

في عتمة الكهرباء… الاعتكاف ليس تفصيلًا

رئيس التحرير: فارس خشّان
الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

في بلد اعتاد العتمة حتى كادت تصبح قدرًا يوميًا، لا يمكن التعامل مع اعتكاف وزير الطاقة جو صدي عن جلسات مجلس الوزراء كأنه تفصيل بروتوكولي أو مناورة عابرة. ما يجري ليس حركة شكلية، بل صرخة سياسية في ملف استُنزف فيه اللبنانيون مالًا وصبرًا وكرامة. الاعتكاف هنا ليس خروجًا من المسؤولية، بل اتهام مباشر لطريقة إدارة ملف لا يحتمل مزيدًا من المساومات ولا فائض الاجتماعات ولا ترف الدوران في الحلقة نفسها.

فالوزير لم يغادر وزارته، ولم يعلّق عمله، ولم يرمِ المفاتيح على الطاولة. هو اختار أن يرفع الصوت من داخل الموقع لا من خارجه، وأن يقول بوضوح إن استمرار التعطيل، أياً كان مصدره، لم يعد قابلًا للتغطية أو التجميل.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية الخطوة: أن يُسحب الملف من الغرف المغلقة إلى الضوء، وأن يعرف الرأي العام من يمنع القرار، ومن يتهرّب من الكلفة، ومن يكتفي بإدارة الأزمة بدل حلّها.

لكن قوة الاعتكاف لا تُقاس بإعلانه، بل بما يكشفه بعد الإعلان. الوزير وضع أمام اللبنانيين الوقائع بلا مواربة: ما خطته؟ من يعطلها؟ أي قرارات مطلوبة؟ ومن يتحمل مسؤولية إبقاء البلاد رهينة المولدات والعتمة؟

وهكذا لم يعد المظلمة لياليهم متفرجين على خلافات السلطة، بل شاهدين على المسؤوليات، وقادرين على التمييز بين من يريد العمل ومن يختبئ خلف الضباب. أما مجلس الوزراء، فلا يملك ترف التعامل مع الاعتكاف كحرج سياسي يجب تطويقه. المسألة أبعد من صورة الحكومة وأكبر من خلاف بين وزير وزملائه. إنها اختبار جدّي لقدرة السلطة على اتخاذ قرار في ملف يمسّ كل بيت وكل مؤسسة وكل ليرة يدفعها اللبنانيون مرتين: مرة للدولة ومرة للمولد.

والاستقالة هنا ليست المعيار. فالاستقالة إعلان عجز أو قطيعة، أما الاعتكاف فهو إنذار. والإنذار، إذا كان واضحًا ومسنودًا بالوقائع، قد يكون أكثر إيلامًا للسلطة من مغادرة صامتة لا تُغيّر شيئًا.

لذلك، الاعتكاف وسيلة ضغط مشروعة لا بابًا للهروب؛ شرط ألا يتحول إلى موقف رمزي يستهلك نفسه، وألا يبقى العنوان أعلى من المضمون.

وإذا كان الوزير صدي قد اختار الاعتكاف ليفتح هذا الباب، فعليه أن يدفع النقاش إلى نهايته لا إلى منتصف الطريق.

فاللبنانيون لم يعودوا يطلبون خطابات عن الكهرباء. يريدون كهرباء، أو على الأقل يريدون حقيقة واضحة: لماذا لا تأتي؟ من يمنعها؟ ومن يدفع البلاد إلى هذا الاستنزاف اليومي؟

في ملف الكهرباء، لم تعد المشكلة في العتمة وحدها، بل في من اعتاد إدارتها كأنها تفصيل من تفاصيل الحكم.

ومن هنا، قد لا يكون الاعتكاف شمعة في الظلام فقط، بل اختبارًا قاسيًا لمن يريد أن يبقى في العتمة، ومن يجرؤ على كشفها.

الكرة الآن لم تعد عند الوزير. إنها على طاولة مجلس الوزراء، حيث يجب أن تظهر الحقيقة: هل يريدون حلّ أزمة الكهرباء، أم يريدون فقط إبقاء العتمة بلا توقيع؟

المقال السابق
النساء والألم: ما الذي تقوله أجسادهن ولا يسمعه الطب؟
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

شاشة بري تقول ما لا يقوله!

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية