"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

عُقمُنا!

رئيس التحرير: فارس خشّان
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

في لبنان، نستطيع أن نقول كل شيء تقريبًا، ثم نستيقظ في اليوم التالي لنجد أن أحدًا لم يضطر إلى الإجابة عن شيء. تنهار قيمة ما ادّخرناه، فنكتب عن الذين بدّدوه. يُتخذ قرار يمسّ أمننا، فنسأل مَن فوّض صاحبه. تتراجع السلطة عمّا تعهّدت به، فنستعيد تسجيلات تعهّداتها. نقول ونكرّر، ويقولون ويكرّرون، حتى صرنا نحفظ أدوارنا جميعًا. هم يعرفون أن للاعتراض عمرًا أقصر من عمر القرار، ونحن نعرف، ونحن نعترض، أننا قد نضطر غدًا إلى قول الكلام نفسه.

ومنّا وفينا مَن يقول إننا جماعة «ما بيعجبها العجب». وفي ذلك شيء من الحقيقة. فقد أصبح من السهل علينا أن نجد في كل خطوة سببًا للاعتراض، وأن نوزّع الشبهات حتى على مَن يحاول أن يتقدّم خطوة. لكنّ السؤال الذي يعنينا أكثر هو ماذا فعلنا حين كان اعتراضنا في محلّه؟ كم مرة عرفنا بالضبط ما نريده، وممّن نريده، وكيف نتابعه بعد انفضاض الحلقة أو انقضاء التظاهرة؟ وكم مرة اكتفينا، نحن الذين نكتب ونتكلّم كل يوم، بأن نصوغ الخيبة بعبارة أشدّ وقعًا؟

في الاقتصاد، تمرّ الأعوام على انهيارٍ طال مدّخرات الناس وقدرتهم على العيش، وما زال في وسع المسؤولين أن يتحدثوا عن الإصلاح كما لو أنهم يقدّمون وعدًا جديدًا. يستطيع المودع أن يروي قصته على الشاشة، وأن يسمع مسؤولًا يتعاطف معه، ثم يعود إلى بيته من دون أن يعرف متى يُبتّ مصير ماله، ومَن يتحمّل مسؤولية القرار، وكيف يستطيع أن يلاحقه. حتى وجع الناس صار مادةً يتبارى أهل السلطة في وصفها. يسمع المرء منهم كلامًا يصلح أن يقوله في تظاهرة ضدّهم.

وفي السيادة، تبدو المسألة أشدّ قسوة. فحزب الله، الذي ربط خياراته العسكرية بإيران، يتصرّف في قرار الحرب كما لو أن سائر اللبنانيين معنيّون بتحمّل تبعاته وحدها. وحين تقترب الدولة من ممارسة حقّها في هذا القرار، يُستدعى شبح الحرب الأهلية. يكفي أن يُطرح احتمال مواجهة داخلية حتى ينصرف النقاش عن أصل المسألة، ويصبح المطلوب من المعترض أن يثبت أنه حريص على السلم الأهلي. هكذا يجد اللبناني نفسه مدعوًّا إلى الصمت خوفًا من حرب في الداخل، فيما يبقى احتمال جرّه إلى حرب مع الخارج مرهونًا بحسابات لا يشارك فيها.

وللسلطة نصيبها من هذا العجز. تتقدّم حين تظنّ أن الظروف تسمح، وتتراجع حين ترتفع كلفة القرار، ثم تترك للناس مهمة تفسير ما جرى. وفي كل مرة ننتظر ظرفًا خارجيًا يتيح لها أن تفعل ما سبق أن قالت إنه من واجبها. فإذا تبدّل ميزان القوى، تحرّك الملف. وإذا انشغل الخارج أو تبدّلت أولوياته، عاد الملف إلى الدرج. حتى حين تأتي النتيجة على قدر ما تمنّيناه، يبقى السؤال قائمًا. ما الذي صنعناه نحن منها؟ وما الذي يبقى منها إذا تبدّلت الظروف التي أتاحت حصولها؟

نحن أيضًا مسؤولون عن المسافة بين ما نقوله وما نفعله. نسمّي الأشياء بأسمائها، وهذه وظيفة لها قيمتها في بلدٍ كثيرًا ما يُطلب فيه من الناس أن يواربوا. لكنّنا نخلط أحيانًا بين وصول الكلام إلى جمهور واسع وتكوّن رأي عام قادر على الضغط. قد يسمع آلاف اللبنانيين الموقف نفسه ويوافقون عليه، ثم يذهب كلٌّ منهم في سبيله. وفي الغد نجتمع مجدّدًا أمام واقعة أخرى ونكتشف أن غضبنا السابق لم يترك وراءه جهةً تتابع، أو سؤالًا ينتظر جوابًا، أو موعدًا تُحاسَب فيه سلطة على ما وعدت به.

الفرق بين الاعتراض الذي ينتهي بانتهاء السهرة والاعتراض الذي يترك أثرًا يظهر في اليوم التالي. هل عاد أحد إلى النائب ليسأله كيف صوّت؟ هل عرف أصحاب الحقّ أين توقّف الملف ومَن أوقفه؟ هل بقي مَن يتابع بعدما انتقلت الكاميرات إلى قضية أخرى؟ تبدو هذه الأسئلة صغيرة أمام حجم الانهيار. لكنها، بالنسبة إلى مَن ينتظر أن يملّ الناس أو ينشغلوا، أشدّ إزعاجًا من خطاب يعرف مسبقًا متى ينتهي.

أقسى ما في حالنا أننا بتنا نتوقّع سلفًا ما سيحدث بعد أن نتكلّم. نعرف كيف ستدافع السلطة عن تراجعها، وكيف سيُستدعى الخوف عند أول محاولة للمحاسبة، وكيف سنكتب نحن، مرّة أخرى، عمّا كنّا قد حذّرنا منه. ثم نقفل الشاشة ونقول إننا فعلنا ما علينا. وربّما كان هذا، بالذات، أكثر ما يطمئنّ إليه مَن يحكمنا.

المقال السابق
ترامب: إذا ملّ مني الأميركيون سأصبح رئيس وزراء إسرائيل
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

يا لتعتيرنا!

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية