هذه الافتتاحية بالصوت والصورة/ للمشاهدة الرجاء النقر هنا
لم يكن أكثر ما لفت الانتباه في التفاهمات التي خرجت من سويسرا وقف إطلاق النار أو إنشاء آليات لمنع التصعيد. الأهم كان ما بين السطور: اعتراف إيراني غير مسبوق بأن أي بحث جدي في مستقبل الجنوب اللبناني أو في مصير «حزب الله» لا يمكن أن يتم من دون طهران.
هذا الاعتراف لا يغيّر حقائق يعرفها الجميع منذ سنوات، لكنه ينقلها من دائرة المسلمات غير المعلنة إلى دائرة الوقائع السياسية المعترف بها. فالولايات المتحدة تدرك أن الدولة اللبنانية قادرة على التفاوض، لكنها ليست وحدها القادرة على ضمان تنفيذ أي اتفاق يتعلق بالحدود الجنوبية أو بسلاح «حزب الله». لذلك لم يكن إشراك إيران في التفاهمات الأخيرة مكافأة لها، بل اعترافاً بواقع النفوذ الذي تملكه على الطرف اللبناني الأكثر قوة خارج مؤسسات الدولة.
من هنا يمكن قراءة المواقف الأميركية الأخيرة. فحين يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن لبنان، فهو لا يتحدث فقط عن تثبيت وقف إطلاق النار، بل عن إعادة تثبيت مرجعية الدولة اللبنانية في قرار الحرب والسلم. وحين يدعو الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الحوار مع «حزب الله» وطمأنة البيئة الشيعية والبحث عن «خيار ثالث»، فهو يعبّر بدوره عن إدراك متزايد بأن مرحلة الحسم العسكري تقترب من نهاياتها، وأن معركة النفوذ انتقلت إلى السياسة.
لكن العامل الأكثر أهمية لا يكمن في ما تريده واشنطن أو دمشق، بل في ما تخشاه طهران.
فإيران لم تعترف بدورها الحاسم في «حزب الله» بدافع الشفافية أو الرغبة في المشاركة المباشرة في الحل اللبناني. ما دفعها إلى ذلك هو إدراكها أن الخناق يضيق تدريجياً على أثمن أوراقها الإقليمية: الحزب الذي شكّل طوال عقود الركيزة الأقوى لنفوذها في المشرق.
اليوم يواجه «حزب الله» معركة مختلفة عن كل ما خاضه سابقاً. فالتحدي لم يعد عسكرياً فقط. في الداخل اللبناني تتزايد الدعوات إلى استعادة الدولة احتكارها للسلاح والقرار الأمني. وفي الخارج تواصل إسرائيل سياسة الاستنزاف والضغط، مقتنعة بأن اللحظة الحالية قد تكون فرصة تاريخية لإضعاف الحزب وتقليص قدراته إلى الحد الأقصى.
غير أن ما يقلق طهران أكثر من الضربات العسكرية هو التحول السياسي الجاري في لبنان والمنطقة. فالحروب يمكن احتواؤها أو تعويض خسائرها، أما فقدان النفوذ السياسي فغالباً ما يكون أكثر صعوبة. ومن هنا تنظر إيران إلى أي تسوية مقبلة باعتبارها معركة للحفاظ على موقعها الإقليمي بقدر ما هي معركة للدفاع عن «حزب الله».
لهذا السبب تبدو طهران اليوم أكثر اندفاعاً نحو التفاوض. فهي لا تدافع فقط عن حليف عسكري، بل عن آخر ركائز نفوذها الفاعل على شواطئ المتوسط. وهي تدرك أن الخطر الحقيقي لا يكمن في عدد الصواريخ التي قد يخسرها الحزب، بل في احتمال أن يخرج من المرحلة المقبلة أضعف سياسياً وأقل تأثيراً في القرار اللبناني.
ما كشفته سويسرا إذاً ليس أن إيران أصبحت صاحبة القرار في لبنان، بل أنها اضطرت للمرة الأولى إلى الإقرار بأنها صاحبة التأثير الأكبر على القوة اللبنانية الأكثر نفوذاً خارج الدولة. وهذا الاعتراف يحمل في طياته مفارقة لافتة.
فهو من جهة يضع المسؤولية السياسية على عاتق صاحب النفوذ الحقيقي، ويجعله جزءاً من أي حل مستقبلي. لكنه من جهة أخرى يكشف حجم الأزمة اللبنانية، إذ يؤكد أن جزءاً أساسياً من مستقبل لبنان لا يزال يُناقش خارج حدوده.
ويبقى السؤال الذي سيتحدد على أساسه شكل المرحلة المقبلة: هل ستستخدم إيران نفوذها لتسهيل انتقال لبنان نحو دولة تستعيد قرارها وسيادتها؟ أم أنها ستكتفي بتثبيت هذا النفوذ وتحويله مجدداً إلى ورقة مساومة في صراعات المنطقة؟
الإجابة لن تأتي من سويسرا، ولا من واشنطن أو طهران. الإجابة ستظهر في لبنان نفسه، حيث سيُختبر للمرة الأولى ما إذا كان الجميع مستعداً للانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها.