ليست مشكلة الشرق الأوسط أن الحروب لا تنتهي، بقدر ما هي أن السلام، حين يأتي، لا يجد دائماً من يحميه.
في كل جولة تفاوض، يظهر من يدعو إلى الاستقرار، وتُعقد الاتفاقات، وتصدر التعهدات بمنع التصعيد. لكن السؤال الأهم لا ينبغي أن يكون: من يريد السلام؟ بل: من يملك القدرة على حمايته عندما يقرر طرف ما خرقه؟
هنا تكمن المعضلة.
فالسلام لا يقوم على حسن النيات وحده، ولا تحميه البيانات السياسية ولا صور المصافحات. السلام يحتاج إلى قوة شرعية تفرض احترامه، وإلى سلطة قادرة على منع أي طرف من استخدام السلاح لفرض إرادته على الآخرين.
في الدول المستقرة، لا يكفي أن تتفق الأطراف على وقف الحرب. المطلوب أن يكون هناك طرف واحد يملك القرار الشرعي في استخدام القوة، بحيث لا يستطيع أي تنظيم أو فصيل أو جماعة مسلحة أن يقرر منفرداً متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.
وهنا يجب التمييز بين صناعة السلام وحماية السلام.
الدبلوماسية تستطيع أن تصنع اتفاقاً، والوسطاء يستطيعون تقريب المسافات، والسياسيون يستطيعون التوقيع على النصوص. لكن الاتفاق لا يصبح سلاماً مستقراً إلا عندما توجد سلطة قادرة على تحويله إلى واقع، وعلى منع من يريد تقويضه من استخدام القوة.
وإذا انفصلت صناعة السلام عن القدرة على حمايته، يصبح الاتفاق مجرد وثيقة سياسية تنتظر أول اختبار ميداني.
هذه المعضلة تظهر بأوضح صورها في لبنان.
منذ اتفاق الهدنة عام 1949، مروراً بالقرار 1701، وصولاً إلى التفاهمات والاتفاقات التي تعاقبت على البلاد، ظل هناك لبنانيون كثر يريدون تجنب الحرب والاحتكام إلى الدولة والمؤسسات. لكن الدولة لم تتمكن، لأسباب سياسية وأمنية وتاريخية، من احتكار قرار استخدام القوة بصورة كاملة.
وبالتالي، بقي قرار الحرب والسلم موزعاً عملياً بين الدولة وقوى مسلحة خارج مؤسساتها.
وهذه ليست مسألة نظرية.
فعندما تكون هناك جهة تملك السلاح والقدرة على استخدامه خارج القرار الرسمي، يصبح موقف الدولة الرافض للحرب غير كافٍ لمنعها. وقد يجد الفريق الذي يريد تجنب المواجهة نفسه عاجزاً عن حماية خياره، لا لأنه لا يملك الشرعية، بل لأنه لا يملك القوة التي تمنح هذه الشرعية القدرة على التنفيذ.
وهنا المفارقة اللبنانية الكبرى: قد تكون الدولة هي الطرف الأكثر رغبة في الاستقرار، لكنها لا تكون بالضرورة الطرف الأكثر قدرة على فرضه.
وهذا تحديداً ما يجعل أي اتفاق معلقاً على توازنات القوى، بدلاً من أن يكون محكوماً بسلطة المؤسسات.
ما يحدث في لبنان ليس استثناءً في الشرق الأوسط.
في غزة، أثبتت الهدن والتفاهمات المتكررة أن الاتفاق يمكن أن يبقى هشاً عندما تحتفظ أطراف الصراع بقدرة مستقلة على استئناف القتال.
وفي العراق، واجهت الحكومات المتعاقبة تحدياً مشابهاً في فرض قرارات الدولة على جميع القوى المسلحة.
وفي سوريا واليمن، أثبتت التجربة أن النصوص السياسية لا تكفي عندما تكون موازين القوة على الأرض أقوى من المؤسسات التي يفترض أن تنفذ الاتفاقات.
وهنا تظهر الحقيقة الأكثر قسوة: السلام لا يفشل دائماً لأن أحداً لا يريده، بل لأنه كثيراً ما يكون في يد من لا يستطيع حمايته، فيما يبقى قرار الحرب في يد من يستطيع إشعالها.
لهذا السبب، لا تكفي الإرادة السياسية وحدها.
ولا يكفي أن يرحب الناس بوقف إطلاق النار، أو أن ينجح الوسطاء في جمع الخصوم حول طاولة واحدة، أو أن تصدر عواصم العالم بيانات تؤكد دعمها للتهدئة.
كل ذلك يبقى هشاً إذا لم توجد سلطة واحدة تمتلك الشرعية والقدرة معاً لمنع أي طرف من نسف الاتفاق بالقوة.
فالسلام الحقيقي ليس مجرد غياب الحرب، بل وجود نظام قادر على منع العودة إليها.
وهذا يعني أن أي تسوية في الشرق الأوسط تحتاج، في نهاية المطاف، إلى أكثر من خطوط تماس جديدة أو لجان مراقبة أو ضمانات دولية. تحتاج إلى إعادة بناء مفهوم الدولة نفسه: دولة تملك قرار الحرب والسلم، وتحتكر السلاح المشروع، وتستطيع أن تفرض القانون على أراضيها.
من هنا، قد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في الشرق الأوسط اليوم ليس: كيف نوقع اتفاق سلام جديداً؟
بل: من سيحمي هذا الاتفاق بعد توقيعه؟
فالاتفاق الذي لا يستطيع أحد فرض احترامه ليس سلاماً مكتمل الأركان، بل هدنة مؤجلة الانهيار.
والدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تكون الضامن النهائي للسلام، حتى لو كانت أكثر الأطراف رغبة فيه.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست فقط بين من يريد الحرب ومن يريد السلام. إنها أيضاً بين من يريد أن يكون قرار الحرب والسلم قراراً مؤسسياً، ومن يريد أن يبقيه رهينة امتلاك القوة.
ومن دون حسم هذه المعادلة، ستبقى المنطقة تدور في الحلقة نفسها: حرب، ثم هدنة، ثم تفاوض، ثم اتفاق، ثم خرق، ثم حرب جديدة.
فالسلام لا يحتاج فقط إلى من يصنعه. يحتاج، قبل كل شيء، إلى من يملك القوة والشرعية لحمايته.