يبدو أن النائب علي فياض اكتشف أخيراً أن مشكلة لبنان ليست في الرهان على الخارج، بل في أن اللبنانيين لم يستشيروا «حزب الله» في اختيار الحصان.
فالمطلوب، بحسب منطق الخطاب، أن تتوقف السلطة عن الرهان على الأميركي، وأن تكف عن انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وأن تعيد حساباتها لأن موازين المنطقة تتغير، ولأن إيران، في قراءة الحزب، خرجت من المواجهة أكثر ثباتاً، فيما أصيب الأميركي بالإخفاق والإسرائيلي بالعجز.
يا لها من معجزة في تعريف السيادة!
لا تراهنوا على واشنطن، تقول الرسالة، لأن طهران قد تكون الحصان الرابح.
أي أن «حزب الله» لا يعترض فعلياً على فكرة أن يكون للبنان راعٍ خارجي؛ اعت راضه يبدو منصباً على هوية الراعي. لا مشكلة في أن يكون القرار متأثراً بالخارج، شرط ألا يكون ذلك الخارج أميركياً. أما إذا كان إيرانياً، فالمسألة تصبح «محوراً» و«ثباتاً» و«مقاومة» و«توازنات إقليمية».
وهكذا يُطلب من لبنان، للمرة الألف، أن يتابع السباق الإقليمي لا ليخرج منه، بل ليختار الحصان المناسب.
راقبوا هرمز. راقبوا باب المندب. راقبوا إسرائيل. راقبوا أميركا. احسبوا نقاط إيران. ثم أسرعوا إلى مكاتب المراهنات: القرار اللبناني بعد قليل، ريثما نتأكد من صاحب المركز الأول!
المفارقة أن الذين يطلبون من الدولة ألا تراهن على الخارج هم أنفسهم الذين جعلوا لبنان، طوال سنوات، جزءاً من حسابات محور عابر للحدود. وعندما دفع لبنان ثمن هذا الانخراط، لم يُطرح السؤال: لماذا كان لبنان في السباق أصلاً؟ بل طُلب منه أن يفتخر بأنه اختار الحصان الصحيح.
أما النتائج، فدعونا لا نفسد الافتتاحية بالتفاصيل.
الاقتصاد المنهار؟ الاستنزاف؟ العزلة؟ الحروب التي دخلت إلى لبنان وخرجت منه؟ الانقسام الداخلي؟ الدولة التي تقلصت أمام قوة الأمر الواقع؟
كل ذلك يمكن وضعه جانباً، لأن السؤال الأهم، وفق هذه المدرسة، هو: من انتصر في الجولة الأخيرة؟
وإذا انتصر الأميركي غداً، فربما سنكتشف أن المراهنة على الأميركي كانت «واقعية». وإذا تقدمت إيران، سنكتشف أن السلطة كانت ساذجة لأنها لم تراهن على إيران منذ البداية. أما لبنان، فيبقى ذلك المتفرج المسكين الذي يُطلب منه في كل مرة أن يغيّر قميصه بحسب لوحة النتائج.
ثم تأتي الكوميديا السياسية الأكثر اكتمالاً: فياض يخشى على اتفاق الطائف وعلى التوازنات اللبنانية.
جميل جداً.
لكن ماذا عن التوازن بين الدولة والسلاح؟ ماذا عن التوازن بين المؤسسات والقرار الموازي؟ ماذا عن حق الدولة وحدها في تقرير الحرب والسلم؟ وماذا عن التوازن الذي يجعل اللبنانيين شركاء في تقرير مصير بلدهم، لا متفرجين على موازين قوى تُرسم خارج الحدود؟
هنا يصبح السؤال محرجاً: هل المشكلة في اختلال التوازن، أم في أن ميزان القوى لم يعد في المكان الذي يريده الحزب؟
فحين يكون الخارج أميركياً، تصبح المراهنة عليه «ارتهاناً». وحين يكون الخارج إيرانياً، تصبح «قراءة واقعية لموازين المنطقة».
يا لها من سيادة مرنة!
سيادة تتبدل تعريفاتها بحسب اتجاه الريح الإقليمية.
لكن المشكلة الحقيقية أبسط من كل هذه الحسابات: لبنان ليس حصاناً في سباق بين طهران وواشنطن.
وليس مطلوباً من ال لبناني أن يسأل كل صباح: من المتقدم؟ إيران أم أميركا؟ ومن ثم يقرر لمن يمنح قراره الوطني.
المطلوب أن يتوقف لبنان عن كونه مضماراً لسباق الآخرين.
وإذا كان «حزب الله» يريد فعلاً إقناع اللبنانيين بأن الرهان على الخارج خطأ، فليبدأ من نفسه. وليقل بوضوح: لا واشنطن ولا طهران؛ لبنان أولاً.
أما أن يُطلب من اللبنانيين التخلي عن الحصان الأميركي لأن الحصان الإيراني، في تقدير الحزب، صار أقرب إلى الفوز، فهذه ليست دعوة إلى استعادة القرار الوطني.
إنها فقط محاولة لإقناع الجمهور بأن الخسارة السابقة كانت بسبب سوء اختيار الحصان.
والسؤال الذي يزعج أصحاب المراهنات أكثر من أي سؤال آخر:
متى يتوقف لبنان عن المراهنة على الخيول… ويقرر أخيراً أن يكون هو صاحب السباق؟