"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

إسرائيل تفاوض دولة المستقبل وتحارب دويلة الحاضر.. علي الطاهر نموذجًا

رئيس التحرير: فارس خشّان
الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

لم يعد مرتفع علي الطاهر في جنوب لبنان مجرد موقع عسكري في المواجهة بين إسرائيل وحزب الله. فالعمليات الإسرائيلية حوله، بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول مستقبل الجنوب، تكشف أن المرتفع أصبح جزءاً من معركة أكبر على شكل الدولة والسلطة والسيطرة في جنوب لبنان.

أهمية علي الطاهر واضحة عسكرياً. موقعه يسمح بمراقبة مساحة واسعة من الجنوب، وترتبط المنطقة ببنية عسكرية لحزب الله، بما فيها منشآت تحت الأرض. لذلك ترى إسرائيل أن بقاء الحزب في هذه المنطقة يشكل تهديداً مباشراً لقواتها ومواقعها.

لكن توقيت العمليات الإسرائيلية هو الأكثر أهمية.

فإسرائيل تفاوض لبنان والولايات المتحدة على مستقبل الجنوب، وفي الوقت نفسه تواصل العمل العسكري على الأرض. وكأن رسالتها تقول: نحن نفاوض على المستقبل، لكننا نحارب الحاضر.

وهذه الرسالة تحمل معنى أبعد من الضغط العسكري على حزب الله. إسرائيل تقول، عملياً، للبنان ولواشنطن: اصنعوا دولة لبنانية قوية وقادرة على فرض سلطتها، لكي نعرف مع من نتعامل في المستقبل. أما في الحاضر، فاتركونا نعالج واقعاً تغيب فيه الدولة لمصلحة حزب الله، الذي يملك الأرض والسلاح والقدرة على الحركة.

من هنا يمكن فهم أهمية علي الطاهر. فإسرائيل لا تتعامل مع المرتفع باعتباره هدفاً عسكرياً منفصلاً، بل باعتباره جزءاً من واقع تقول إنه نشأ بسبب ضعف الدولة اللبنانية ووجود حزب الله كقوة عسكرية تتجاوزها.

وبذلك يصبح القتال على المرتفع، في المنطق الإسرائيلي، وسيلة لمعالجة هذا الفراغ بالقوة إلى أن تصبح الدولة اللبنانية قادرة على معالجته بنفسها.

هذه المعادلة تضع لبنان أمام مشكلة صعبة. فكل عملية إسرائيلية جديدة يمكن أن تقدمها إسرائيل باعتبارها نتيجة لغياب الدولة، بينما يؤدي استمرار العمليات إلى إضعاف قدرة الدولة على استعادة دورها وتثبيت سيادتها. وهنا تنشأ الحلقة الأخطر: إسرائيل تقول إن وجودها العسكري سببه غياب الدولة، فيما يصبح استمرار وجودها العسكري جزءاً من المشكلة التي تعيق استعادة الدولة لسيطرتها.

وفي المقابل، يرفض حزب الله أن تكون هذه العمليات مدخلاً إلى فرض شروط تتجاوز جنوب الليطاني أو إلى معالجة ملف سلاحه من خلال التفاوض مع إسرائيل. وهكذا يبقى الجنوب عالقاً بين قوتين: إسرائيل التي تريد واقعاً أمنياً يمنع عودة الحزب إلى المنطقة، وحزب الله الذي يريد الاحتفاظ بقدرته على العمل من دون القبول بالشروط الإسرائيلية.

أما واشنطن، فتجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً. فهي تريد دفع المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى الأمام، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إجابة عن السؤال الذي تطرحه إسرائيل: من يضمن أن الاتفاق الذي سنبرمه مع الدولة اللبنانية سيُطبّق فعلاً على الأرض؟

وهذا هو جوهر المسألة.

إسرائيل تستطيع أن تفاوض لبنان على الانسحاب، لكنها تريد أولاً أن تعرف ماذا سيحدث بعد الانسحاب. هل ستكون هناك دولة قادرة على السيطرة على الجنوب؟ هل يستطيع الجيش اللبناني منع حزب الله من العودة إلى المواقع التي يخسرها؟ وهل سيكون الاتفاق مع الدولة اللبنانية اتفاقاً مع صاحب القرار الفعلي، أم مع دولة لا تملك كامل القدرة على تنفيذ ما تتعهد به؟

لذلك تبدو العمليات حول علي الطاهر وكأنها محاولة إسرائيلية لإدارة الحاضر، بالتوازي مع التفاوض على المستقبل. فهي تستخدم القوة لمنع ما تعتبره تهديداً قائماً، بينما تترك الباب مفتوحاً أمام تسوية سياسية يمكن أن تنهي هذا الواقع عندما تتوافر الجهة اللبنانية القادرة على تحمل مسؤوليتها.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل أيضاً مخاطرة كبيرة. فكلما طال بقاء القوات الإسرائيلية في الجنوب، أصبح الانسحاب أكثر تعقيداً، وكلما توسعت العمليات، زادت احتمالات أن تتحول المواقع العسكرية إلى أوراق تفاوضية ثابتة بدلاً من أن تكون مواقع مؤقتة.

وهنا تتحول علي الطاهر إلى اختبار حقيقي للاتفاق المقبل.

فإذا استطاعت الدولة اللبنانية أن تستعيد السيطرة الفعلية على الجنوب، يصبح الوجود الإسرائيلي المؤقت قابلاً للانتهاء. أما إذا بقي حزب الله صاحب اليد العسكرية الأقوى، فقد تستمر إسرائيل في استخدام هذا الواقع لتبرير بقاء قواتها أو الاحتفاظ بمواقع استراتيجية.

في النهاية، لا تدور المعركة على علي الطاهر فقط حول من يسيطر على مرتفع. إنها معركة على السؤال الذي سيحدد مستقبل الجنوب اللبناني: هل تستطيع الدولة أن تستعيد الأرض والقرار، أم أن غيابها سيبقى مبرراً لإسرائيل كي تحارب في الحاضر فيما تفاوض لبنان على المستقبل؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إسرائيل تقول للبنان وواشنطن، بصورة غير مباشرة، ابنوا دولة نستطيع أن نتفاوض معها غداً، أما اليوم فدعونا نتعامل بأنفسنا مع القوة التي تملك الميدان.

وهذه ربما هي الرسالة الأهم التي تحملها العمليات الإسرائيلية المتزامنة مع المفاوضات: المفاوضات تبحث في جنوب لبنان الذي سيأتي، بينما الحرب تحدد شكل الجنوب الموجود الآن.

أرى أن الخاتمة الأخيرة هي مفتاح المقال؛ لأنها تختصر الفكرة كلها في جملة واحدة: المفاوضات تبحث في المستقبل، بينما الحرب تحدد الحاضر.

المقال السابق
أكثر من 400 شخصية من النبطية تطالب الجيش بالانتشار: أنقذوا المدينة قبل فوات الأوان
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

علي طاهر.. إيران لا!

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية