"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

الأميركيون كبّروا رأس حزب الله… والسلطة اللبنانية ترتجف أمامه

رئيس التحرير: فارس خشّان
الجمعة، 28 أغسطس 2026

نعيم قاسم لم يكتفِ برفض الموقف الأميركي، بل تعامل مع السلطة اللبنانية كما لو أنها سلطة لا تملك قرارها.

رفض مفاوضاتها المباشرة، شكك بنتائجها، رفض «اتفاق الإطار»، طالبها بالبحث عن وسيط آخر غير الأميركي، وأعلن أن حزب الله سيبقى في الميدان ولن يقبل بالمشاريع المطروحة.

والأخطر أن كل ذلك قيل من دون أن تواجهه السلطة بموقف حازم.

هنا تحديداً تكمن المشكلة اللبنانية.

تابع حلقة جديدة من “براين ستورمينغ” وهي تتمحور حول عجز السلطة اللبنانية ومخاطرها على جميع اللبنانيين

فالسلطة لم تكن ممنوعة من اتخاذ قرار نزع سلاح حزب الله. لقد اتخذته فعلاً أكثر من مرة، ثم وضعت قراراتها في الأرشيف عندما اصطدمت بخوفها من الحزب وعجزها عن تنفيذ ما قررته.

وهذه ليست تفصيلاً.

إنها أصل المشكلة.

فالسلطة التي تقول إن السلاح يجب أن يكون حصراً في يد الدولة، ثم تتراجع أمام أول اختبار، تمنح حزب الله أكثر من مجرد انتصار سياسي: تمنحه دليلاً عملياً على أن قرارات الدولة يمكن تعطيلها بمجرد رفضه لها.

وهذا ما يجعل خطاب نعيم قاسم اليوم شديد الدلالة.

هو لا يتحدث مع السلطة كأنها صاحبة قرار نهائي.

بل يتحدث معها من موقع من يستطيع أن يرفض ما تقرره، وأن يحدد ما يقبله وما يرفضه، وأن يرسم لها حتى طبيعة الوساطة التي ينبغي أن تعتمدها.

«اذهبوا وفتشوا عن وسيط غير الوسيط الأميركي».

هذه ليست ملاحظة عابرة.

إنها إملاء.

و«اتفاق الإطار» الذي أبرمته السلطة يرفضه.

والمفاوضات التي خاضتها السلطة يشكك بنتائجها.

والتسوية التي يمكن أن تنتج عنها يرفضها مسبقاً.

ثم يعلن أن الحزب سيبقى مسلحاً وفي الميدان.

والسلطة؟

تسمع كل ذلك.

ثم لا تفعل شيئاً يوازيه.

هنا لا يعود مقبولاً أن نتحدث عن «صعوبة» نزع سلاح حزب الله وكأن المشكلة تقنية تحتاج إلى وقت.

السلطة اتخذت القرار. المشكلة أنها لم تنفذه.

والفارق كبير بين دولة تعجز عن تنفيذ قرارها مرة، ودولة تتخذ القرار ثم تخاف من تنفيذه، فتضعه في الأدراج وتعود إلى الحديث عنه كلما تغيرت الظروف.

بهذا السلوك تحديداً، كبر حزب الله.

ليس لأن سلاحه أصبح أكثر شرعية، ولا لأن إملاءاته أصبحت أكثر قبولاً، بل لأن الدولة نفسها علّمته أن بإمكانه تعطيل قراراتها.

وهنا تأتي المواقف الأميركية الأخيرة لتزيد المشهد سوءاً بالنسبة إلى السلطة.

توم براك تحدث عن استحالة تجاهل حزب الله وإيران في معالجة ملف السلاح.

وميشال عيسى قال إن الولايات المتحدة مستعدة للجلوس مع حزب الله إذا كان لديه «شيء يقدمه».

هذه التصريحات تمنح نعيم قاسم مساحة إضافية للهجوم.

فالأميركيون الذين يريدون من الدولة اللبنانية أن تنزع سلاح الحزب، يقولون في الوقت نفسه إن الحزب طرف لا يمكن تجاهله، وإن واشنطن مستعدة للجلوس معه إذا كان لديه ما يقدمه.

وهنا يستطيع قاسم أن يقول للسلطة: إذا كان الأميركيون أنفسهم يعترفون بأن حزب الله طرف في المعادلة، فلماذا تريدون أنتم أن تتصرفوا وكأنكم قادرون على فرض قراركم عليه؟

وهو ما يفعله بالفعل.

لكن الخطأ سيكون في منح هذا الكلام قيمة تتجاوز حجمه.

اعتراف الأميركيين بوزن حزب الله لا يمنحه حق إملاء قراراته على الدولة.

وكون واشنطن مستعدة للجلوس معه لا يعني أن سلاحه أصبح مشروعاً.

بل يعني ببساطة أن الأميركيين أدركوا أن الحزب لا يمكن تجاهله في الواقع اللبناني.

وهذا الإدراك كان يجب أن يكون معروفاً للسلطة اللبنانية قبل الأميركيين.

فالسلطة تعرف حزب الله.

وتعرف حجم سلاحه.

وتعرف أنه سبق أن عطّل قرارات حكومية.

وتعرف أنها اتخذت قرارات تتعلق بسلاحه ثم تراجعت عنها.

وتعرف، قبل أي سفير أو مبعوث، أن المشكلة ليست في إصدار القرار وإنما في امتلاك الجرأة لتنفيذه.

ولهذا فإن السؤال اليوم ليس لماذا لم تستطع السلطة نزع السلاح.

السؤال أكثر قسوة:

لماذا تتخذ السلطة قرارات نزع السلاح ثم تخاف من تنفيذها؟

ولماذا يملك حزب الله القدرة على تحويل قرارات الحكومة إلى أوراق محفوظة في الأرشيف؟

ولماذا يستطيع أن يعلن رفضه لما تفاوضت عليه الدولة، ويرفض اتفاقاتها، ويحدد لها كيف تفاوض، ومن تفاوض، ثم يبقى موقف الدولة في حدود الصمت أو التبرير؟

هذه هي النقطة التي ينبغي أن يضيء عليها كلام نعيم قاسم.

قاسم لم يكتشف ضعف السلطة.

هو يتصرف على أساس أنه يعرفه.

ويعرف أن الدولة التي أصدرت قرارات نزع سلاحه ثم تراجعت عنها لن تكون في موقع قوي عندما يرفض اتفاقاً أو يفرض توجهاً أو يحدد سقفاً سياسياً.

ولذلك فإن حديثه إلى السلطة يأتي بلغة المنتصر سياسياً، حتى لو لم يكن ذلك انتصاراً عسكرياً.

أما الأميركيون، فقد ساهموا بدورهم في هذه الصورة.

جاؤوا للضغط باتجاه نزع السلاح، ثم اكتشفوا أن الحزب وإيران لا يمكن تجاهلهما.

قالوا إنهم لا يتفاوضون مع الحزب، ثم قال سفيرهم إن واشنطن مستعدة للجلوس معه إذا كان لديه شيء يقدمه.

وهكذا أعطوا حزب الله، من حيث لا يريدون، اعترافاً إضافياً بأنه طرف لا يمكن تجاوزه.

لكن المسؤولية اللبنانية تبقى مختلفة.

لأن الأميركيين يستطيعون تغيير موقفهم.

أما السلطة اللبنانية فلا تستطيع أن تستمر في تغيير قراراتها كلما واجهت اعتراض حزب الله.

الدولة لا تكون دولة عندما تقول «سننزع السلاح» ثم تخبئ القرار في الأرشيف.

ولا تكون صاحبة القرار عندما يعلن حزب الله رفضه لقراراتها فتبدأ هي في البحث عن مخرج.

ولا تستعيد هيبتها عندما يحدد حزب مسلح ما الذي تفاوض عليه وما الذي لا تفاوض عليه.

وهنا تحديداً يصبح كلام نعيم قاسم مرآة قاسية للسلطة.

هو يقول لها، عملياً: لا تستطيعون فرض ما تريدون.

والسلطة، حتى الآن، لم تفعل ما يكفي لتثبت العكس.

لذلك فإن المشكلة ليست أن حزب الله «قوي أكثر مما ينبغي».

المشكلة أن السلطة اللبنانية سمحت له بأن يصبح أقوى من قراراتها.

وهذه مسؤوليتها هي.

لا مسؤولية واشنطن، ولا مسؤولية إسرائيل، ولا مسؤولية الظروف الإقليمية.

فالقرارات التي وُضعت في الأدراج اتخذتها السلطة.

والتراجع عنها حصل باسم السلطة.

والخوف الذي منع تنفيذها كان خوف السلطة.

أما حزب الله، فقد تعلّم من كل ذلك درساً بسيطاً:

يكفي أن يرفض حتى تتراجع الدولة.

وما لم تكسر السلطة هذه المعادلة، سيبقى نعيم قاسم قادراً على مخاطبتها من موقع الآمر، لا من موقع الحزب الذي يفترض أن يخضع لقرار الدولة.

وهنا تحديداً كبر رأس حزب الله: ليس لأن أحداً منحه حقاً في لبنان، بل لأن الدولة نفسها تراجعت أمامه مراراً، حتى أصبحت قراراتها المؤجلة جزءاً من قوة الحزب.

المقال السابق
ترامب يعلن إنشاء «أكاديمية الفضاء الأميركية» لمواجهة الصين
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

طارق متري نموذجًا: سلطة لبنانية مذعورة من قراراتها

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية