"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

الجوع القادم في دولة تعجز عن أن تكون دولة

رئيس التحرير: فارس خشّان
الاثنين، 24 أغسطس 2026

لبنان لا ينتظر الجوع لكي يبدأ. الجوع موجود بأشكال مختلفة، واللبنانيون يعيشون منذ سنوات على حافة الفقر، يقتطعون من حاجاتهم، ويؤجلون ما يمكن تأجيله، ويبحثون كل شهر عن طريقة للبقاء. لكن الخطر اليوم أن ترتفع الحاجة فوق مستواها الحالي، وهو مستوى كارثي أصلاً، فتنتقل شريحة واسعة من اللبنانيين من حافة الفقر إلى حافة الجوع.

هذا هو المعنى الأخطر للأرقام الاقتصادية التي بدأت ترسمها الحرب. فحين يتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4 في المئة خلال 2026، وارتفاع التضخم إلى 17.5 في المئة، فإن المسألة لا تتعلق فقط بمؤشرات اقتصادية على الورق. إنها تعني أن القدرة على تأمين الحاجات الأساسية ستكون تحت ضغط أكبر، في بلد لم يتعافَ أصلاً من انهياره المالي والاقتصادي.

والجوع، في هذه الحالة، ليس نتيجة مستقلة ولا حدثاً سيبدأ فجأة. إنه حصيلة تراكمية لحرب مستمرة، واقتصاد ينكمش، وأسعار ترتفع، وقدرة شرائية تتآكل، واستثمارات تتراجع، وموارد تتقلص، وفرص عمل تضيق، فيما تستمر هجرة أصحاب الكفاءات ورؤوس الأموال.

لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو: كيف وصل لبنان إلى هنا، ومن يدفع ثمن هذا المسار؟

ليس من السهل تحميل المسؤولية لطرف واحد.

«حزب الله» يريد الاحتفاظ بسلاحه بأي ثمن. وهذه الأولوية، في نظر خصومه، باتت تتقدم على كل ما عداها، بما في ذلك قدرة الدولة على حماية مواطنيها وإدارة علاقاتها الخارجية والداخلية. فالحزب يتحدث عن السيادة والكرامة والمقاومة، لكنه في المقابل يتمسك بسلاح يجعل الدولة نفسها عاجزة عن احتكار قرار الحرب والسلم، ويترك لبنان مكشوفاً أمام إسرائيل وتداعيات الصراع الإقليمي.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: أي سيادة تُحمى بسلاح يجعل الدولة منتهكة القرار، وأي كرامة وطنية يبقى معناها إذا كان المواطن يدفع ثمنها من أمنه ورزقه ومستقبل أبنائه؟

لا يمكن اختزال جمهور «حزب الله» أو بيئته الاجتماعية في هذه المعادلة، ولا يمكن القول إن اللبنانيين الذين يعيشون في مناطق نفوذه لا يعنيهم سوى السلاح. لكن المسؤولية السياسية تقع على القيادة التي تختار استمرار امتلاك السلاح كأولوية، حتى عندما تكون كلفة هذا الخيار واقعة على المجتمع اللبناني بأكمله.

وفي المقابل، تريد إسرائيل القضاء على القدرة العسكرية لـ«حزب الله»، ولا تتعامل مع سلاحه باعتباره مجرد ورقة تفاوضية. إنها ترى في وجود قوة مسلحة معادية على حدودها تهديداً استراتيجياً، وتتصرف على هذا الأساس عسكرياً.

ولا ينبغي أن نتوقع من إسرائيل أن تتعامل مع جوع اللبنانيين كما لو كان جوع مواطنيها. هذا ليس منطق الدول في الحروب. بالنسبة إلى إسرائيل، تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان قد يتحول إلى عنصر ضغط على الحزب والدولة والبيئة الحاضنة له. جوع اللبنانيين ليس سلاحاً موجهاً ضد إسرائيل؛ وإذا أدى الضغط الاقتصادي إلى إضعاف خصمها، فإنه يصبح، من منظورها، ورقة ضغط لا عبئاً عليها.

وهكذا يجد اللبناني نفسه بين طرفين: حزب يتمسك بسلاحه باعتباره ضمانة لسيادته وكرامته، وإسرائيل تعتبر السلاح نفسه تهديداً يستوجب القضاء عليه، وقد ترى في تآكل قدرة لبنان على الاحتمال عاملاً إضافياً للضغط. وبينهما دولة تحاول أن تمنع الانهيار، لكنها لا تملك كامل أدوات القوة.

وبين الطرفين تقف الدولة اللبنانية.

الدولة تفاوض إسرائيل، وتطالب بانسحابها، وتتمسك بسيادتها، وتملك شرعية دولية لا يملكها أي طرف آخر على الساحة اللبنانية. لكنها تدخل المواجهة وهي تفتقد بعض أهم أدوات القوة المادية التي يفترض أن تمتلكها الدولة: الاحتكار الكامل للسلاح، والقدرة الكاملة على ضبط الأرض، والقرار المنفرد في الحرب والسلم.

وهنا تقع المأساة اللبنانية.

فالدولة ليست بلا أوراق، لكنها لم تستطع بعد تحويل أهم أوراقها ــ الشرعية والسيادة ــ إلى قدرة كاملة على الأرض. ولذلك تفاوض وهي تملك الشرعية، لكنها لا تملك كل أدوات القوة التي تجعل هذه الشرعية أكثر تأثيراً.

وهذا تحديداً ما يجعل استعادة الدولة قراراً اقتصادياً بقدر ما هو قرار سياسي وأمني.

فالدولة التي لا تملك كامل قرارها لا تستطيع أن تمنع الحرب، والدولة التي لا تستطيع منع الحرب لا تستطيع حماية اقتصادها من نتائجها، وعندما ينكمش الاقتصاد وترتفع الأسعار وتتآكل القدرة الشرائية، يصبح المواطن الحلقة الأخيرة في سلسلة قرارات لم يتخذها.

المواطن الذي لم يقرر الحرب هو الذي يدفع ثمنها في متجره، وفي فاتورة منزله، وفي مدرسة أبنائه، وفي مستقبله.

أما المجتمع الدولي، فهو يستطيع أن يساعد لبنان، وأن يضغط على إسرائيل، وأن يساهم في إعادة الإعمار، وأن يفتح أبواب الدعم الاقتصادي. لكنه لا يستطيع أن يقوم مقام الدولة اللبنانية.

العالم يستطيع أن يساعد لبنان إذا كان لبنان دولة.

دولة تملك قرارها، وتضبط أرضها، وتحصر السلاح بيد مؤسساتها، وتستطيع تنفيذ ما تتعهد به.

وهذه ليست مسألة تقنية أو شرطاً دولياً مجرداً. إنها شرط لإنقاذ الاقتصاد نفسه. فلا استثمار جدياً من دون استقرار، ولا مساعدات مستدامة من دون مؤسسات قادرة على تنفيذ الإصلاحات، ولا إعادة إعمار فعالة من دون جهة رسمية تستطيع أن تضمن ما يتم الاتفاق عليه.

وفي المقابل، إذا بقي «حزب الله» متمسكاً بسلاحه، وبقيت إسرائيل مصممة على القضاء على قدرته العسكرية، وبقيت الدولة اللبنانية عالقة بين الطرفين، فإن المساحة التي تضيق في النهاية ليست فقط مساحة المناورة السياسية.

إنها مساحة حياة اللبنانيين.

فاللبناني الذي يعيش اليوم على حافة الفقر يستطيع، بصعوبة، أن يتكيف مع ارتفاع الأسعار: يقلل من الاستهلاك، يؤجل شراء ما يمكن تأجيله، يستغني عن الكماليات، ويعيد ترتيب أولوياته. لكن القدرة على التكيف لها حدود.

ماذا يحدث عندما يصبح الاستغناء عن الضروريات نفسها هو المطلوب؟

عندما لا يعود تقليص الإنفاق كافياً؟ عندما تصبح الزيادة الجديدة في سعر الغذاء أو الدواء أو النقل أكبر من قدرة الأسرة على الاحتمال؟

هناك تحديداً تنتقل الأزمة من حافة الفقر إلى حافة الجوع.

وهذا ما يجعل «الجوع القادم» ليس عنواناً لحدث منفصل، بل النتيجة المحتملة لتراكم كل ما يضرب لبنان في الوقت نفسه: حرب، وانكماش، وتضخم، وتراجع في الدخل، وهجرة، واستنزاف للاستثمار، ودولة لم تستكمل بعد استعادة قدرتها على إدارة كل أراضيها وقرارها.

المقال السابق
هذا هو جيش اردوغان!
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

مجرد واجهة ل"فيلق القدس"!

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية