يا لحرصهم المفاجئ على الجيش! ما إن رفض رئيس الحكومة نواف سلام أن يلقي وزير الدفاع ميشال منسى كلمة أمام مجلس النواب باسم الجيش اعتراضاً على أحكام أساسية في قانون العفو العام، حتى انتفض «حماة معنويات الجيش» من كل حدب وصوب. حزب الله، والتيار الوطني الحر، ومن يدور في فلكهما، قرروا فجأة أن معركة الجيش تبدأ من منبر مجلس النواب، وأن الدفاع عن المؤسسة العسكرية يقتضي الوقوف في وجه الحكومة.
لكن ماذا حصل فعلياً؟
رئيس الحكومة قال بوضوح إن للحكومة ناطقاً واحداً باسمها هو رئيس الحكومة، وإنه لا مبرر لأن يلقي وزير الدفاع كلمة منفصلة باسم الجيش في الجلسة، خصوصاً أن موقف الجيش واعتراضاته على مشروع القانون كانت قد وصلت إلى النواب والرأي العام خلال مرحلة الإعداد والمناقشة. أي إن الخلاف لم يكن حول ما إذا كان للجيش رأي أو ما إذا كان يجب أن يُسمع صوته، بل حول الطريقة التي تُدار بها الحكومة، ومن يتحدث باسمها أمام مجلس النواب.
هنا تحديداً يصبح المشهد مضحكاً.
الحكومة تقول إن موقف الجيش وصل. ورئيس الحكومة يقول إن الحكومة تتحدث بصوت واحد. وفي المقابل، ينتفض حزب الله والتيار الوطني الحر، ومعهما جوقة من الذين أمضوا سنوات في تكريس معادلة السلاح خارج الدولة، دفاعاً عن «حق الجيش» في أن تكون له كلمة مستقلة داخل الجلسة.
يا لها من غيرة!
حزب الله، الذي بنى قوته على قاعدة أن هناك قوة عسكرية خارج الدولة أقوى من الدولة في بعض الملفات، أصبح فجأة حارساً لاستقلالية موقف الجيش. والتيار الوطني الحر، الذي خلال عهد ميشال عون كان شريكاً سياسياً أساسياً في المعادلة التي عززت موقع حزب الله ووفرت له الغطاء السياسي، اكتشف بدوره أن هناك خطراً داهماً على معنويات المؤسسة العسكرية لأن وزير الدفاع لم يُسمح له بإلقاء كلمة مستقلة في مجلس النواب.
كأن ذاكرة اللبنانيين قصيرة إلى هذا الحد.
أين كانت هذه الغيرة عندما كان الجيش يُطلب منه أن يكون أحد أضلاع معادلة إلى جانب «المقاومة»؟ أين كانت هذه ال حساسية تجاه موقعه عندما كان السلاح خارج الدولة يُقدَّم باعتباره ضرورة وطنية؟ وأين كان هذا الحرص عندما كان القرار الأمني والسيادي موزعاً بين الدولة وقوة سياسية مسلحة؟
المسألة هنا ليست الدفاع عن الجيش، بل استخدام الجيش في مواجهة الحكومة.
فالجيش ليس حزباً سياسياً، ووزير الدفاع ليس رئيس كتلة نيابية، ومجلس الوزراء ليس مجموعة أصوات متنافسة. إذا كانت الحكومة مسؤولة عن سياستها وقراراتها أمام مجلس النواب، فمن الطبيعي أن يكون لها خطاب واحد. وإذا كان للجيش اعتراض على قانون أو على أحكام فيه، فهذا الاعتراض يجب أن يصل إلى السلطة السياسية والنواب، وهو ما حصل بالفعل. أما تحويل عدم إلقاء كلمة إلى معركة على «معنويات الجيش»، فليس دفاعاً عن الجيش بقدر ما هو محاولة لإخراجه من التسلسل السياسي الذي يحكم المؤسسة العسكرية في الدولة.
والأكثر سخرية أن الذين يريدون اليوم للجيش أن يكون له «صوت مستقل» داخل المجلس هم أنفسهم الذين أمضوا سنوات في المطالبة بألا تكون الدولة صاحبة الصوت الوحيد في القضايا السيادية.
لا، القضية ليست أن أحداً يريد إسكات الجيش.
القضية أن البعض يريد للجيش أن يتكلم عندما يكون كلامه مفيداً في مواجهة الحكومة، ثم يريد له أن يصمت عندما يصبح المطلوب منه أن يكون أداة الدولة في فرض سلطتها.
أما «معنويات الجيش»، فهذه لا تُصان بالمتاجرة بها في مجلس النواب. معنويات الجيش تُصان عندما يعرف العسكري أن الدولة تقف خلفه، وأن قرارها واحد، وأن سلاحها واحد، وأن من يهدد الدولة أو ينازعها قرارها هو الذي يقف في الجهة المقابلة للجيش، لا الحكومة التي يفترض أن يكون الجيش خاضعاً لسلطتها.
لذلك، فلنترك عنّا حفلة النفاق هذه.
من يريد حماية الجيش، فليحمِ أولاً مفهوم الدولة التي ينتمي إليها الجيش. ومن يريد رفع معنوياته، فليقبل بأن يكون السلاح للدولة وحدها. ومن يريد أن يكون للجيش موقع قوي، فليقبل بأن تكون كلمته جزءاً من قرار الدولة، لا ورقة تستخدمها القوى السياسية عندما تريد إحراج الحكومة.
أما أن يتحول حزب الله والتيار الوطني الحر ومن يدور في فلكهما إلى «جمعية أصدقاء الجيش» في اللحظة التي رفضت فيها الحكومة إعطاء وزير الدفاع منبراً مستقلاً داخل الجلسة، فهذه ليست محبة للجيش.
هذه محبة لجيشٍ يُستخدم سياسياً عندما تحتاجه المعركة، ويُترك وحيداً عندما تبدأ المعركة الحقيقية على سيادة الدولة.