في إيران، ثبّتت محكمة الاستئناف في قم حكماً بحق الفنانة برستو أحمدي وعدد من أفراد فرقتها، بعدما ظهرت في تسجيل غنائي من دون الحجاب الإلزامي. 74 جلدة، ومنع من النشاط الفني والسفر لمدة عامين.
هذا خبر يفترض أن يهزّ فرائص كل من يخشى وصول هذا النموذج إلى بلده.
ولبنان يواجه هذا الخطر. فـ«حزب الله» ليس مجرد حليف لإيران؛ إنه يتشارك معها عقيدة ومرجعية، وإيران هي النموذج الذي يستند إليه الحزب سياسياً وفكرياً.
ومع ذلك، يقدم لنا المشهد اللبناني أحياناً واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة للسخرية.
فنانات وإعلاميات وناشطات لبنانيات يدافعن بحماسة عن حزب الله وإيران، ويمارسن في حياتهن كل تلك الحريات التي تجعل لبنان مختلفاً عن النموذج الذي يدافعن عنه. يفعلن ذلك وهم سافرات، متبرجات، وفساتينهم لا تصل إلى نصف مساحة فستان الفنانة الإيرانية المطلوب جلدها ومعاقبتها ومطاردتها.
يا للمفارقة!
نحن لا نهتم بملابسهن. فليلبسن ما يشأن، وليظهرن كما يشأن، وليغنين كما يشأن. هذه هي الحرية التي نريدها لهن ولغيرهن.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدفاع عن مشروع سياسي إلى عملية انتقاء: نأخذ من «حزب الله» ما يعجبنا، ونترك ما لا يناسب حياتنا.
مقاومة، شعارات، إيران، مرجعية، انتصارات… نعم.
أما القيود التي قد تفرضها منظومة اجتماعية أكثر تشدداً؟ لا، شكراً!
لكن ماذا عن بناتكن؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح عليكن.
ماذا تريدن أن تورثن بناتكن؟
هل تريدن أن ترث بناتكن منكن فقط اسم العائلة، والبيت، واللغة، والذكريات؟ أم تريدن أن ترثن أيضاً وطناً تكون فيه خياراتهن ملكاً لهن؟
تريدن لبناتكن أن يخترن ملابسهن، وأن يدرسن ما يشأن، وأن يعملن حيث يشأن، وأن يغنين ويكتبن ويظهرن ويعبرن كما يشأن؟
جميل.
فلماذا تدافعن عن مشروع سياسي قد يضع، في حال انتصر نموذجه، قيوداً على بعض هذه الخ يارات؟
لا نقول إن كل امرأة تؤيد الحزب تريد فرض الحجاب على ابنتها. ولا نقول إن لبنان سيصبح إيران غداً.
نقول شيئاً أبسط: عندما تدافعين عن نموذج سياسي، لا يمكنك أن تختاري نتائجه كما تختارين قائمة الطعام.
المشروع ليس «à la carte».
والمفارقة الأكبر أن بعض من يدافعن عنه اليوم يتمتعن بحرية لا يجدن حرجاً في ممارستها حاليا، بينما السؤال الحقيقي سيكون يوماً ما عن الحرية التي ستعيشها بناتهن، إذا انتصر هذا المشروع الذي يناصرنه؟
فماذا لو كبرت ابنتك وقالت لك: أريد أن أكون فنانة؟ أو إعلامية؟ أو أن أرتدي ما أريد؟ أو أن أغني بلا حجاب؟ أو ببساطة: أريد أن أقرر بنفسي؟ ماذا ستقولين لها؟ «افعلي ما تشائين»؟
نتمنى أن تتمكني من ذلك.
لا نريد منكن تغيير ملابسكن ولا قناعاتكن.
نريد فقط أن تتوقفن لحظة أمام المرآة، وأن تسألن السؤال الذي لا يتعلق بكن وحدكن: أي لبنان تورثن بناتكن؟ لبنان الذي تختار فيه المرأة حياتها؟ أم لبنان الذي يأتي فيه أحدهم غداً ليخبرها كيف ينبغي أن تعيش؟
لأن الحرية التي نريدها لأنفسنا اليوم، من الأفضل ألا نحولها إلى إرث مهدد لبناتنا غداً.
أما «حزب الله à la carte»… فربما يكون لذيذاً سياسياً، لكنه بالتأكيد ليس مشروع حلم ولا موضوع نضال.