في مقابلة مطوّلة مع مجلة «تايم»، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه رفض عرضاً إيرانياً لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، مؤكداً أنه قرر مواصلة العمليات العسكرية رغم أن الحرب استمرت أطول مما كان يتوقع. وقال ترامب إن الولايات المتحدة دمّرت جزءاً كبيراً من القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، وإن مخزون الذخائر الأميركية ليس عائقاً أمام استمرار العمليات، بالتوازي مع تسريع الإنتاج العسكري الأميركي. كما دافع عن بنيامين نتنياهو في قضية التحذيرات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، لكنه امتنع عن تأييده لولاية جديدة، وتحدث عن غزة والسعودية والذكاء الاصطناعي والدين الأميركي والانتخابات المقبلة
في مقابلة مطوّلة مع مجلة «تايم» أُجريت في البيت الأبيض في 28 أيلول/سبتمبر ونُشرت في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، رسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب صورة واسعة لرؤيته للسياسة الأميركية، متوقفاً خصوصاً عند الحرب مع إيران، وإسرائيل ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والسعودية وغزة، إضافة إلى الاقتصاد والاحتياطي الفدرالي والذكاء الاصطناعي والإعلام والانتخابات النصفية.
لكن القسم الأكثر أهمية بالنسبة إلى الشرق الأوسط كان حديثه عن إيران، إذ أقر بأن الحرب التي كان قد توقع في بدايتها أن تستمر أسابيع، طالت أكثر مما كان متوقعاً، وقال إن قرار مواصلة العمليات بعد المرحلة الأولى كان قراره هو.
إيران: كان يمكن أن أتوقف… لكنني ذهبت أبعد
رفض ترامب اعتبار طول الحرب دليلاً على خطأ في حساباته. وقال إن الولايات المتحدة كان بإمكانها التوقف في مرحلة مبكرة، لكنه اختار مواصلة العمليات لأنه أراد الذهاب أبعد في تدمير القدرات الإيرانية ومنع طهران من إعادة بناء برنامجها النووي والعسكري.
وبحسب روايته، فإن الضربات الأميركية دمّرت أجزاء كبيرة من القدرات النووية الإيرانية، وألحقت أضراراً بالقوات الجوية والرادارات والبحرية، وذهب إلى حد القول إن 159 سفينة إيرانية أصبحت في قاع البحر.
ترامب يرى أن الهدف الأساسي من الحرب لم يتغير: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإجبارها على قبول ترتيبات جديدة تحد من قدرتها على تهديد الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي المقابل، لم يقدم في المقابلة جدولاً زمنياً واضحاً لنهاية الحرب، ولم يستبعد استمرار العمليات العسكرية أو تجددها.
عرض إيراني رفضه ترامب
كشف الرئيس الأميركي أنه رفض عرضاً إيرانياً لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.
وعندما سُئل عن سبب رفضه، لم يدخل في تفاصيل الشروط، واكتفى بالقول إن العرض لم يكن جيداً بما يكفي، وإن ما تقترحه طهران الآن أقل بكثير مما كان يمكن أن يقبله قبل عام.
وفي الوقت نفسه، لم يغلق الباب أمام التفاوض. لكن الصورة التي قدمها ترامب هي أن الدبلوماسية بالنسبة إليه تجري تحت ضغط عسكري، وليس كبديل عن الضغط العسكري.
هرمز في قلب المواجهة
احتل مضيق هرمز موقعاً مركزياً في حديث ترامب.
الرئيس الأميركي يقول إن الولايات المتحدة قادرة على إبقاء حركة النفط عبر المضيق، ويعتبر حماية الملاحة جزءاً من المهمة الأميركية في المنطقة.
لكن أهمية هرمز بالنسبة إلى ترامب تتجاوز النفط. فالمضيق أصبح، في خطابه، ورقة ضغط على إيران، ووسيلة لإظهار قدرة الولايات المتحدة على التحكم في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
الذخائر الأميركية: ترامب ينفي النقص… لكنه يريد المزيد
من أكثر الأجزاء أهمية، وخصوصاً عسكرياً، حديث ترامب عن مخزون الذخائر الأميركية بعد أشهر من الحرب.
ترامب يرفض بشدة التقارير التي تتحدث عن استنزاف الترسانة الأميركية، ويؤكد أن الولايات المتحدة لا تعاني نقصاً عاماً في الذخائر.
وفي الوقت نفسه، يقر بوجود تفاوت بين أنواع الأسلحة. فهو يقول إن هناك ذخائر «لدينا منها كميات ضخمة جداً»، بينما توجد أنواع أخرى «أكثر ضيقاً» ويتم الحصول عليها وإنتاجها بصورة مستمرة.
ويصر ترامب على أن الولايات المتحدة تملك كميات هائلة من الذخائر، وأن مصانع الدفاع الأميركية تعمل على رفع الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة.
وكان قد تحدث في تصريحات سابقة عن بناء مصانع ذخائر جديدة، وعن استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية، وقال إن شركات كبرى بدأت توسيع طاقاتها الإنتاجية، وإن هناك مصانع جديدة قيد الإنشاء.
والرسالة التي يريد ترامب إيصالها واضحة: حتى لو استهلكت الحرب كمية كبيرة من الأسلحة الأميركية، فإن الولايات المتحدة قادرة على تعويضها وإعادة بناء مخزونها بسرعة.
لكن خلف هذا التأكيد الرئاسي توجد مشكلة أكثر تعقيداً.
فالحرب الطويلة مع إيران استهلكت بالفعل كميات كبيرة من صواريخ الدفاع الجوي والأسلحة الدقيقة، بالتزامن مع استمرار التزامات الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا وإسرائيل وشركاء آخرين. وتحتاج بعض الأنظمة المتطورة إلى سنوات لإعادة مخزونها إلى المستويات السابقة.
ولهذا تعمل الإدارة الأميركية على تسريع الإنتاج، من خلال عقود طويلة الأمد مع شركات الدفاع وزيادة الطاقة الإنتاجية لصواريخ الاعتراض والهج وم.
وقد تحولت إعادة بناء الترسانة الأميركية إلى ملف استراتيجي بحد ذاته، لا يتعلق بالحرب الحالية مع إيران فقط، وإنما أيضاً بقدرة الولايات المتحدة على خوض حرب مستقبلية كبيرة، خصوصاً إذا كانت مع خصم من مستوى الصين.
وهنا تظهر أهمية كلام ترامب: فهو يريد أن يقول إن واشنطن لن تسمح لمشكلة المخزونات بأن تحد من خياراتها العسكرية.
بمعنى آخر: لا يريد ترامب أن تُقرأ الحرب مع إيران على أنها معركة تستنزف الترسانة الأميركية إلى درجة تقيّد القرار السياسي.
لكن واقع الإنتاج العسكري أكثر بطئاً من الخطاب السياسي. فحتى مع زيادة الإنفاق وفتح مصانع جديدة، فإن إنتاج صاروخ متطور أو نظام اعتراض لا يمكن مضاعفته بين ليلة وضحاها، وبعض خطوط الإنتاج تحتاج سنوات للوصول إلى الطاقة المطلوبة.
وهذا هو أحد أهم الملفات التي ستبقى خلف الحرب الإيرانية: ليس فقط من يملك الصواريخ الأكثر تطوراً، بل من يستطيع إنتاجها وتعويض ما يستهلكه بوتيرة أسرع.
نتنياهو: ترامب يدافع عنه… لكنه لا يمنحه شيكاً انتخابياً
في الملف الإسرائيلي، دافع ترامب بوضوح عن بنيامين نتنياهو في قضية التحذيرات التي قيل إن إسرائيل تلقتها قبل هجوم 7 أكتوبر 2023.
وعندما سئل عن التقارير التي تفيد بأن مصر والإمارات حذرتا نتنياهو من هجوم محتمل، قال إنه يسمع بهذه المعلومات للمرة الأولى، وإنه «لا يستطيع أن يتخيل» أن نتنياهو تجاهل تحذيراً كهذا.
وأضاف أنه لو كان نتنياهو يعرف مسبقاً بهجوم وشيك، «لكان فعل شيئاً» أو على الأقل وضع قواته في حالة تأهب.
لكن ترامب لم يذهب إلى الخطوة التالية: تأييد نتنياهو لولاية جديدة.
عندما سئل عما إذا كان ينبغي للإسرائيليين إعادة انتخابه، قال ترامب إنه لم يعد منخرطاً في السياسة، متجنباً إعلان موقف انتخابي واضح.
وهنا تظهر مفارقة لافتة: الرئيس الأميركي يدافع عن نتنياهو في واحدة من أكثر القضايا حساسية في إسرائيل، لكنه لا يقول للإسرائيليين: انتخبوه.
تحذيرات 7 أكتوبر: قضية لم تُحسم
تصريحات ترامب لا تحسم الجدل حول ما إذا كان نتنياهو تلقى تحذيرات فعلية قبل هجوم 7 أكتوبر.
هناك تقارير تتحدث عن تحذيرات مصرية، وأخرى عن معلومات وصلت من الإمارات، فيما ينفي نتنياهو أنه تلقى تحذيراً مباشراً من النوع الذي كان يمكن أن يغيّر تقديراته.
لذلك فإن موقف ترامب في المقابلة يمثل تبنياً لرواية التشكيك في هذه الاتهامات، وليس دليلاً مستقلاً يحسمها.
«لقد فعلت الكثير لإسرائيل»
ترامب عاد إلى التأكيد على حجم ما قدمه لإسرائيل.
وقال، في معرض دفاعه عن العلاقة مع إسرائيل، إنه فعل «الكثير جداً» من أجلها، مستحضراً سجل إدارته في دعم إسرائيل والضغط على إيران.
لكن اللافت أنه يفصل بين دعمه لإسرائيل كدولة وبين تأييده السياسي لشخص نتنياهو.
السعودية: الدور الأميركي في المنطقة
تحدث ترامب بإسهاب عن علاقته بالسعودية وولي العهد محمد بن سلمان، مؤكداً أن واشنطن تلعب دوراً أساسياً في حماية حلفائها.
وقدم نفسه باعتباره الضامن الأساسي لأمن شركاء الولايات المتحدة في المنطقة، وربط ذلك أيضاً بالمواجهة مع إيران.
هذه الرؤية تظهر الشرق الأوسط، في مقاربة ترامب، باعتباره شبكة من التحالفات الأمنية والاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة، في مواجهة إيران وقوى أخرى.
غزة: السلاح هو العقدة
في غزة، بقي سلاح «حماس» في قلب حديث ترامب عن المرحلة المقبلة.
وقف الحرب بالنسبة إليه لا يعني نهاية الملف. فالانتقال إلى المرحلة التالية مرتبط، في تصوره، بمسألة السلاح والأمن وإعادة ترتيب القطاع.
وبالتالي، فإن معادلة ترامب لغزة لا تقوم فقط على وقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار، بل على إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية للقطاع.
الاقتصاد: هجوم مستمر على الاحتياطي الفدرالي
في الداخل الأميركي، شن ترامب هجوماً جديداً على مجلس الاحتياطي الفدرالي بسبب أسعار الفائدة.
ويرى أن الاقتصاد الأميركي قادر على النمو بمعدلات أعلى لو خُفضت الفائدة، ورفض تحميل سياساته مسؤولية ارتفاع تكاليف المعيشة.
وقال أيضاً إن بعض مستويات التضخم يمكن أن تساعد في تخفيض العبء الحقيقي للدين الأميركي، في طرح أثار اهتماماً كبيراً.
أما الدين العام، الذي يقترب من مستويات تاريخية، فيراهن ترامب على النمو الاقتصادي والتصنيع والاستثمار للتعامل معه، من دون تقديم خطة تفصيلية لسداد الدين.
الذكاء الاصطناعي: معركة القوة المقبلة
يرى ترامب أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من المنافسة الاستراتيجية مع الصين.
وهو يدافع عن بناء مراكز البيانات وتوفير الطاقة اللازمة لتشغيلها، ويريد أن تحافظ الولايات المتحدة على تفوقها في هذا المجال.
كما تحدث عن دور حكومي أكبر في الشركات الاستراتيجية، ب ما في ذلك إمكانية حصول الحكومة الأميركية على حصص في بعض الشركات مقابل الدعم أو التسهيلات.
وبذلك، يقدم ترامب الذكاء الاصطناعي ليس فقط باعتباره قطاعاً اقتصادياً، بل أداة من أدوات القوة الأميركية في مواجهة الصين.
المحكمة العليا والإعلام
ترامب تحدث أيضاً عن خيبة أمله من بعض قضاة المحكمة العليا الذين عيّنهم بنفسه بعدما صوتوا في قضايا ضد توجهاته.
وقال إنه يحب «الولاء»، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه يريد قرارات جيدة.
وفي علاقته بالإعلام، واصل هجومه على المؤسسات التي يعتبرها معادية له، ودافع عن تقييد وصول بعض وسائل الإعلام إلى البيت الأبيض.
ويرى ترامب أن الصحافة مطالبة بمساءلة السلطة، لكنه يشترط، في المقابل، أن تكون «عادلة» وألا تنشر ما يعتبره معلومات كاذبة.
الانتخابات النصفية
ترامب أكد أنه سيشارك في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، وأنه سيقدم دعماً للمرشحين الجمهوريين.
كما أبقى الباب مفتوحاً أمام استخدام صلاحيات رئاسية استثنائية، بما فيها قانون التمرد، رافضاً استبعاد أي خيار بشكل مسبق.
