المشكلة مع «حزب الله» اليوم ليست أنه يرفض المفاوضات. فالمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية ليست فكرة طارئة ولا مشروعاً يُطرح للمرة الأولى، بل هي مسار تتواصل خلاله الاتصالات واللقاءات على المستويات السياسية والفنية والتقنية، في محاولة لمعالجة واقع أمني نشأ في الجنوب بعد الحرب، وما ترتب عليه من استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمواقع في الأراضي اللبنانية.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن أصل الأزمة: السلاح الذي قررت السلطة اللبنانية، بقرارات رسمية، حصره بالدولة، فيما لا تزال عاجزة، حتى الآن، عن تنفيذ هذا القرار كاملاً.
المشكلة الأعمق هي أن «حزب الله» يريد، في خطابه السياسي الحالي، إلغاء هذا الواقع والعودة بلبنان إل ى ما قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكأن شيئاً لم يتغيّر منذ ذلك التاريخ.
لكن كل شيء تغيّر.
تغيّر الجنوب، وتغيّر لبنان، وتغيّرت إسرائيل، وتغيّر موقع إيران، وتبدّلت موازين القوى. والأهم أن الحرب أسقطت، أو على الأقل هزّت بصورة عميقة، الكثير من النظريات التي بُنيت عليها معادلة الردع السابقة.
ومع ذلك، يتحدث الحزب على لسان كبار مسؤوليه عن أن الحل ليس في التفاوض المباشر، وأن على السلطة اللبنانية أن تتوقف عن الرهان على الولايات المتحدة، وأن تتذكر أن واشنطن قد تتخلى عن حلفائها عندما تتغير مصالحها.
وفي المقابل، يطرح العودة إلى إيران وإلى خيار «المقاومة»، في استعادة واضحة للمعادلة التي حكمت لبنان لسنوات طويلة: الجيش والشعب والمقاومة.
لكن هذه المعادلة تواجه اليوم سؤالاً مختلفاً تماماً: ماذا بعد الحرب؟
الحزب يتصرف وكأن الحرب كانت محطة عابرة، وأن الخسائر التي أصابت لبنان وأصابته يمكن تجاوزها بمجرد إعلان أن «المقاومة» انتصرت.
وهنا تكمن المفارقة.
فالحزب يريد العودة إلى المعادلة التي قادت إلى الحرب، من دون أن يجيب عن السؤال الذي طرحته الحرب نفسها: ماذا حققت هذه المعادلة للبنان؟
لا يقدم خطاب الحزب، في المقابل، خطة واضحة لحماية الجنوب، ولا تصوراً لمنع تكرار الحرب، ولا خطة لإعادة المهجرين، ولا آلية لوقف الاستهداف الإسرائيلي، ولا حتى تصوراً لتقليل الخسائر إذا اندلعت مواجهة جديدة.
كل الطرق تؤدي إلى نقطة واحدة: السلاح يجب أن يبقى.
أما ما عدا ذلك، فيمكن التفاوض عليه.
حتى الكارثة يمكن إعادة تعريفها باعتبارها ثمناً لـ«المقاومة»، والخسائر باعتبارها أثماناً لـ«الانتصار»، والدمار باعتباره جزءاً من مواجهة أكبر.
وهكذا يتحول السؤال عن مستقبل لبنان من سؤال الدولة ومؤسساتها وقدرتها على حماية مواطنيها، إلى سؤال آخر: هل نراهن على أميركا أم على إيران؟
وهذا تحديداً هو التحويل الذي ينبغي التوقف عنده.
فالحزب يقول للبنانيين، عملياً: لا تراهنوا على الأميركيين، راهنوا على الإيرانيين.
لكن ماذا يعني الرهان على إيران بالنسبة إلى لبنان؟
هل يعني أن إيران ستمنع إسرائيل من ضرب الجنوب؟
هل يعني أنها ستفرض انسحاب إسرائيل؟
هل يعني أنها ستعيد إعمار ما تهدّم؟
هل يعني أنها ستعيد المهجّرين؟
هل يعني أنها ستمنع تكرار الحرب؟
التجربة الأخيرة لا تقدم إجابات مطمئنة عن هذه الأسئلة.
بل إن السؤال الأكثر إحراجاً لهذا الطرح يرتبط بما جرى في علي الطاهر.
إذا كانت إيران، كما يقول الحزب، هي مركز القوة المقابل للولايات المتحدة وإسرائيل، وإذا كان «محور المقاومة» قادراً على فرض معادلاته، فلماذا لم تمنع هذه القوة إسرائيل من الوصول إلى أنفاق علي الطاهر وبدء عمليات التجريف والتدمير؟
هنا تسقط، إلى حد بعيد، لعبة «من انتصر؟».
فلبنان لا يعيش في بيانات الانتصار الإيرانية أو الأميركية.
لبنان يعيش في الجنوب.
والجنوب هو الذي يحتاج إلى إجابة عن سؤال الغد، لا إلى استعادة معادلات الأمس.
ربما لهذا يبدو أن «حزب الله» لا يخشى المفاوضات بقدر ما يخشى نتائجها المحتملة؛ لأن التفاوض، إذا استمر، يضع السلاح للمرة الأولى أمام سؤال الدولة، ويضع الجنوب أمام ترتيبات جديدة، ويضع العلاقة مع إسرائيل وإيران والولايات المتحدة أمام قواعد مختلفة.
وهذا هو الغد الذي يصعب على الحزب التعامل معه.
لذلك يبدو أكثر تمسكاً بالأمس.
لكن المشكلة أن لبنان تغيّر، والحرب غيّرت قواعد اللعبة، والعودة إلى ما قبل 7 أكتوبر لم تعد قراراً لبنانياً منفرداً.