"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

سجون لبنان: عدالة معلّقة خلف القضبان

عبد المجيد مخيبر
السبت، 26 سبتمبر 2026

سجون لبنان: عدالة معلّقة خلف القضبان

ملف السجون واحد من أخطر الملفات في لبنان، وأكثرها إهمالًا رغم أنه محطة جوهرية في تطبيق مفهوم العدالة. فالسجن، بحسب المنطق القانوني، يُفترض أن يكون المكان الذي تُنفَّذ فيه العقوبات التي تقررها المحاكم بحق مَن تثبت مسؤوليته عن ارتكاب جرم وفقًا للقانون. لكن الأهم من ذلك أن هذه الفترة يجب أن تكون فرصة حقيقية لإصلاح المحكوم وتأهيله، من خلال معالجة أسباب انحرافه، وتعزيز قدراته، وتأمين الرعاية والتعليم والتدريب اللازم له، بما يساعده على استعادة دوره الطبيعي في المجتمع بعد انتهاء مدة العقوبة، والعودة إليه كمواطن قادر على الاندماج والعيش وفق القانون. فأين السجون اللبنانية من كل هذا؟

لا يمكن الحديث عن السجون اللبنانية من دون أن يُطرح “سجن رومية سيئ السمعة”، المثال الأبرز على الفجوة بين فلسفة العقوبة وواقع تنفيذها. ويُعدّ رومية أكبر سجن في البلاد وأحد أبرز مرافقه العقابية، لكنه بات نموذجًا لأزمة تتجاوز جدرانه: الاكتظاظ، وضعف الإمكانات، وغياب رؤية إصلاحية متكاملة. فالسجن الذي صُمم ليستوعب 1300 سجين، وفق شروط يُفترض أن تراعي المعايير الأساسية للاحتجاز، يواجه اليوم ضغطًا هائلًا نتيجة وجود أكثر من 4000 نزيل فيه، وفق تقديرات رسمية أوردتها اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان. ومع هذا الاكتظاظ، تتفاقم الأزمات الإنسانية والصحية والأمنية، من نقص المساحات الخاصة، إلى مشاكل النظافة والتهوية والبنية التحتية، وصولًا إلى صعوبة تأمين الرعاية الصحية والخدمات الأساسية. وكل ذلك يجعل ظروف الاحتجاز أقسى مما يُفترض أن تكون، ويطرح علامات استفهام جدية حول قدرة الدولة على إدارة هذا الملف وفق المعايير التي يُفترض أن تحكم المؤسسات العقابية.

لكن المشكلة الأكبر لا تكمن في عدد السجناء وحده، بل في واقع أن نسبة كبيرة منهم موقوفون احتياطيًا لم تصدر بحقهم أحكام قضائية. وهنا تتحول مشكلة السجون إلى مشكلة عدالة وقضاء في آن واحد: فالتوقيف الاحتياطي إجراء قانوني وقرينة على البراءة، لا عقوبة، وليس حكمًا مسبقًا بالإدانة. لكن التأخير في المحاكمة يعني في بعض الحالات استمرار إنسان خلف القضبان من دون حكم نهائي، لسنوات أحيانًا.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: أين القانون؟ وإذا كان القانون فوق الجميع، فعلى مَن يجب أن يُطبَّق أولًا؟

وفي مفارقة تعكس عمق هذه الإشكالية، أعلن المجلس الدستوري في لبنان، بموجب القرار رقم 10/2026 الصادر في 10 أيلول 2026، تعليق العمل بقانون العفو العام رقم 70/2026، وذلك بانتظار البت في الطعن الذي تقدّم به نواب التيار الوطني الحر باسم تكتّل “لبنان القوي”. وقد استند الطعن، بحسب ما أعلنه رئيس التيار النائب جبران باسيل، إلى هواجس تتعلق بالعدالة وحقوق ضحايا الجرائم، إضافة إلى ملف عدد محدود من الموقوفين الإسلاميين الذين لم تُستكمل محاكمتهم، مع التشديد على ضرورة تصحيح صياغة القانون من دون أن يتحول إلى عفو خاص بصيغة عامة، أو أن يُستخدم ملف هؤلاء الموقوفين لإعفاء مرتكبي جرائم أخرى من المحاسبة. وبين ليلة وضحاها، تحوّل قانون كان يمثل بارقة أمل لآلاف الموقوفين وعائلاتهم إلى ملف معلّق أمام القضاء الدستوري، ليعيد فتح النقاش حول سلامة صياغته ومصير المشمولين به، في مشهد يختصر إلى أي حد يبقى مصير الإنسان المحتجز رهينة لصراعات سياسية وقانونية بعيدة عن إرادته.

ختامًا، يبقى ملف السجون في لبنان استحقاقًا وطنيًا وقانونيًا لا يحتمل مزيدًا من التأجيل. فالقضية ليست مجرد تحسين ظروف سجن، بل إصلاح منظومة كاملة تبدأ بتسريع المحاكمات، والحدّ من التوقيف الاحتياطي غير الضروري، وضمان أن يبقى تطبيق القانون، بما فيه قوانين العفو، محكومًا بمعايير العدالة لا بموازين القوى السياسية.

أما ترك هذا الملف يتراكم فوق سنوات من الإهمال فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان. والحل الحقيقي يبدأ من إصلاح العدالة نفسها، لأن سيادة الدولة والقانون لا تكتملان إلا حين تُطبَّق العقوبة في إطار يحفظ كرامة السجين ويصون أمن المجتمع في آن واحد.

ويبقى السؤال الأخير: هل من حياة لمن تنادي، أم أن الحياة ليست لمن في بلادي؟

المقال السابق
من مذكرات شقيق ديانا: «كانت تعاني من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه»
المادة التالية
«حزب الله»… أيّ غد؟
عبد المجيد مخيبر

عبد المجيد مخيبر

متدرب صحافي

مقالات ذات صلة

نيويورك تايمز: نتنياهو فضّل تهدئة غزة قبل 7 أكتوبر خشية إفشال التطبيع مع السعودية

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية