"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

الفرقة 16 تعود إلى الواجهة... حكاية قوة أمنية من زمن الدولة القوية

لارا صقر
السبت، 7 نوفمبر 2026

الفرقة 16 تعود إلى الواجهة... حكاية قوة أمنية من زمن الدولة القوية

من 80 إلى 100 عنصر اختيروا من نخبة القوى الأمنية، إلى وحدة ارتبط اسمها بهيبة الدولة في شوارع بيروت. فما قصة الفرقة 16؟ وكيف تأسست؟ ولماذا اختفت من المشهد الأمني اللبناني؟ 84c7f34b-db78-42e4-9dc7-caa1d48a1d57

لم يكن اسم «الفرقة 16» مجرد تسمية لوحدة أمنية عادية في تاريخ لبنان. فعلى مدى سنوات، شكّل هذا الاسم عنواناً لحضور الدولة في الشارع، وارتبط في ذاكرة اللبنانيين بصورة عناصر يرتدون القبعات الحمراء، ويتنقلون بسيارات سوداء سريعة، في مشهد كان كافياً لإثارة الرهبة لدى الخارجين عن القانون.

تعود حكاية هذه الفرقة إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً إلى مرحلة ما بعد أحداث عام 1958، حين شهد لبنان أزمة سياسية وأمنية حادة، كشفت عن ضعف المؤسسات الأمنية وتشتت صلاحياتها، وعجزها عن التعامل مع الاضطرابات التي اجتاحت البلاد.

ومع وصول الرئيس اللواء فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية في أيلول 1958، انطلقت ورشة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وكان إصلاح الأجهزة الأمنية في صلب المشروع الشهابي. فكان الرهان أن استعادة هيبة الدولة تبدأ من إعادة تنظيم أجهزتها وتعزيز قدرتها على فرض القانون.

في تلك المرحلة، تولّى المقدّم عزيز الأحدب مسؤولية مديرية الشرطة، وبدأ العمل على تطوير الأداء الأمني والاستفادة من تجارب خارجية. وبعد اطلاعه على نموذج قوة أمنية متخصصة في الأردن، برزت فكرة إنشاء وحدة نخبوية قادرة على التدخل السريع ومواجهة الجرائم والاضطرابات في الشوارع.

وهكذا وُلدت «الفرقة 16».

من هم عناصر الفرقة 16؟ لم تكن الفرقة تشكيلاً أمنياً تقليدياً. فقد جرى انتقاء نحو 100 عنصر من بين أفراد القوى الأمنية، وفق معايير تتصل باللياقة البدنية والانضباط والقدرة على تنفيذ المهمات الميدانية.

وخضع العناصر لتدريبات متخصصة في معسكر المغاوير التابع للجيش اللبناني، استمرت نحو ثلاثة أشهر، شملت الرماية والتدريب البدني والتأهيل الأمني.

أما هويتها البصرية، فكانت جزءاً من حضورها المميز: قبعات حمراء تحمل إشارة «ف 16»، أسلحة رشاشة خفيفة، ومسدسات، وسيارات سوداء صغيرة وسريعة تتيح التحرك والتدخل في وقت قصير.

ولم يكن تميزها مقتصراً على مظهرها أو عتادها، بل على طبيعة المهمات التي أوكلت إليها، والتي ارتكزت على التدخل السريع وملاحقة المطلوبين والتعامل مع الحالات الأمنية الطارئة.

وفي شوارع بيروت، أصبح مجرد تداول عبارة «إجوا الـ16» كافياً لإثارة القلق لدى المطلوبين والمخلّين بالأمن.

b6286f5e-a505-4e6f-bca2-7330666edb71

كيف تحولت إلى رمز لهيبة الدولة؟

خلال السنوات التي سبقت الحرب الأهلية، اكتسبت الفرقة سمعة واسعة نتيجة حضورها الميداني وعملياتها الأمنية، وباتت صورتها مرتبطة بقدرة الأجهزة الشرعية على التحرك السريع وفرض القانون.

وكانت تعمل ضمن منظومة قوى الأمن الداخلي، التي شهدت بدورها إعادة تنظيم شاملة بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 138 الصادر في 12 حزيران 1959، والذي أسّس المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بصيغتها التنظيمية الجديدة.

لكن هذه المرحلة لم تستمر على حالها.

الحرب الأهلية… بداية النهاية

مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، بدأت المؤسسات الأمنية والعسكرية تواجه واقعاً مختلفاً تماماً. فقد تمددت الميليشيات المسلحة، وتراجعت سلطة الدولة في مناطق واسعة، وأصبحت الأجهزة الشرعية تعمل وسط الانقسام السياسي والطائفي والاشتباكات المسلحة.

ولم تكن الفرقة 16 بمنأى عن هذا الانهيار. فقد تأثرت مراكزها بالواقع الأمني الجديد، وتراجعت قدرتها على أداء مهماتها بالصورة التي عُرفت بها قبل الحرب.

ومع انقسام بيروت إلى شرقية وغربية، توزعت مراكزها بين مناطق مختلفة، من بينها فرن الشباك وثكنة الحلو في كورنيش المزرعة، في حين فرضت الحرب واقعاً ميدانياً قاسياً على المؤسسة الأمنية.

ورغم الانقسام الذي أصاب البلاد، تشير شهادات بعض العناصر السابقين إلى استمرار التنسيق بين أفراد الفرقة، حتى في ظل الانقسام الجغرافي والطائفي الذي فرضته الحرب.

ماذا حلّ بالفرقة بعد الحرب؟

مع انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، دخلت قوى الأمن الداخلي مرحلة إعادة تنظيم وتطوير هيكلي، ولم تعد الفرقة 16 موجودة بالصيغة والتسمية اللتين عرفهما اللبنانيون قبل الحرب.

وقد ارتبط اسمها لاحقاً بـ«فوج الطوارئ» ضمن قوى الأمن الداخلي، بالتوازي مع بروز وحدات أخرى، أبرزها وحدة القوى السيارة، التي تولت مهمات أمنية وميدانية أوسع.

وبذلك، لم تعد «الفرقة 16» تظهر بوصفها القوة المستقلة ذات الهوية التي طبعت ذاكرة بيروت، بل أصبحت جزءاً من تاريخ مرحلة أمنية انتهت مع التحولات التي فرضتها الحرب وإعادة بناء المؤسسات بعدها.

لماذا عاد اللبنانيون إلى المطالبة بها؟

اليوم، وبعد عقود على تلك المرحلة، يعود اسم الفرقة 16 إلى التداول، وسط تصاعد المخاوف من السرقات وعمليات السلب والتشليح والانفلات الأمني.

ويستحضر المطالبون بإعادة إحيائها نموذج القوة الأمنية المتخصصة، التي تجمع بين التدريب الصارم والانتشار الميداني وسرعة التدخل، في وقت يشعر فيه كثيرون بأن الإجراءات الأمنية الحالية لم تعد كافية لردع العصابات وحماية المواطنين.

لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان لبنان يحتاج إلى إعادة الفرقة 16 بالاسم، بل ما إذا كان قادراً على استعادة الظروف المؤسساتية التي سمحت بتشكيل قوة من هذا النوع: قيادة واضحة، تدريب احترافي، تجهيزات مناسبة، وقرار سياسي يدعم تطبيق القانون.

فبين قبعة حمراء وسيارة سوداء، تختصر حكاية الفرقة 16 مرحلة من تاريخ الدولة اللبنانية؛ مرحلة حاولت فيها السلطة إعادة بناء مؤسساتها الأمنية بعد أزمة كادت تهدد وجودها، قبل أن تأتي الحرب الأهلية وتضرب ما بُني.

واليوم، لا يستعيد اللبنانيون اسم هذه الفرقة لمجرد استعادة صورة من الماضي، بل لأنهم يبحثون عن إجابة لسؤال بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: أين قوة الدولة التي تحمي المواطن وتفرض القانون؟

المقال السابق
100 يوم في المحيط... 5 ناجين من رحلة أشبه بالأفلام!

لارا صقر

محرّرة

مقالات ذات صلة

حين يُصبح الخوف جزءاً من الطريق.. ماذا يحدث على طرقات لبنان؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية