أعاد رئيس تكتل بعلبك الهرمل النائب حسين الحاج حسن رسم موقع حزب الله في المعادلة الإقليمية، معلناً أن الحزب وحلفاءه في لبنان جزء من معادلة مضيقي هرمز وباب المندب، وأن لبنان سيكون، وفق ما نقله عن إيران، جزءاً من أي اتفاق قد تتوصل إليه طهران مع الولايات المتحدة. وفي موازاة ذلك، صعّد هجومه على خصوم حزب الله في الداخل، واصفاً إياهم بـ«أذناب أميركا»، ومؤكداً أن الحزب «ليس ضعيفاً» وأن «المقاومة باقية وسلاحها ثابت».
هذا الكلام يستحق التوقف عنده، ليس فقط بسبب مضمونه السياسي، بل بسبب عالم «المعادلات» الذي يبنيه حزب الله حول نفسه وحول خصومه. فالحزب يضع نفسه في قلب معادلات إقليمية تبدأ من إيران ولا تنتهي عند لبنان، فيما يختصر خصومه اللبنانيين بتوصيف واحد: «أذناب أميركا».
هو جزء من محور إقليمي واسع، لكن خصومه يصبحون، في خطابه، مجرد أدوات لقوة خارجية. هو يعلن بفخر تحالفه مع إيران، فيما يُطلب من خصومه أن «يخجلوا» من علاقاتهم أو خياراتهم السياسية. هكذا تتحول العلاقة بالخارج من مسألة سياسية قابلة للنقاش إلى معيار أخلاقي يوزعه الحزب على الآخرين.
وهنا يدخل «البيجر» إلى المشهد.
بعد عامين على تفجير أجهزة الاتصال التي استُخدمت داخل منظومة حزب الله، تحضر الذكرى في خطاب الحزب باعتبارها عنواناً للتضحية والصمود والجرحى والشهداء. لكن البيجر يمكن أن يكون أيضاً عنواناً لسؤال آخر، أكثر إحراجاً وأقل قابلية للتحول إلى شعار: كيف تمكنت إسرائيل من تنفيذ واحد من أكبر الاختراقات الأمنية التي أصابت بنية الحزب والوصول إلى أجهزة يفترض أنها جزء من منظومة اتصالات محمية؟
المفارقة أن الحزب يحتفي بالبيجر باعتباره دليلاً على أنه لم يُكسر، فيما تكشف الواقعة نفسها عن اختراق أمني بالغ العمق. وبين الأمرين مسافة كان يفترض أن تملأها مساءلة ومراجعة: كيف حصل الاختراق؟ أين كانت الثغرة؟ كيف وصلت إسرائيل إلى هذه المنظومة؟ وهل جرت مراجعة فعلية لما حدث؟
لكن البيجر، بدلاً من أن يصبح عنواناً للمساءلة عن الاختراق ، تحول إلى عنوان للشعار.
وهذه إحدى مفارقات خطاب الحزب: كل ضربة يتلقاها يمكن أن تتحول إلى دليل على صموده، وكل سؤال عن مكامن الضعف يمكن أن يُعاد توجيهه إلى الحديث عن الشهداء والتضحيات. وكأن الاعتراف بالضربة لا يستدعي بالضرورة البحث في أسبابها، بل يكفي تحويلها إلى مناسبة لإعادة إنتاج خطاب القوة.
أما المعادلات، فليس لها حدود.
هرمز أصبح جزءاً من لبنان، وباب المندب أصبح جزءاً من لبنان، وأي اتفاق إيراني ـ أميركي سيشمل لبنان، بحسب رواية الحاج حسن. أي إن البلد الذي يفترض أن تكون له دولة وقرار ومؤسسات بات، في هذه القراءة، جزءاً من منظومة إقليمية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
ثم يأتي السؤال البسيط: إذا كان لبنان جزءاً من هذه المعادلة، فمن قرر ذلك؟
هنا تحديداً تكمن المفارقة. فالمشكلة ليست في أن يكون لحزب الله تحالف مع إيران أو أن تكون له قراءة إقليمية للصراع. المشكلة تبدأ حين تتحول هذه القراءة إلى تعريف لموقع لبنان كله، ثم يُطلب من اللبنانيين التعامل معها كأنها حقيقة سياسية بديهية.
والأكثر إثارة أن المعادلة تعمل باتجاه واحد: العلاقة مع إيران تُقدَّم بوصفها خياراً سيادياً مشرّفاً، فيما العلاقة أو التقاطع مع الولايات المتحدة يُستخدم لتصنيف الخصوم اللبنانيين باعتبارهم «أذناباً».
أي إن المشكلة ليست في وجود الخارج في المعادلة اللبنانية، بل في هوية الخارج.
ولعل البيجر، أكثر من أي شعار آخر، يلخص هذه المفارقة. فهو في الواجهة ذكرى للجرح والتضحية والصمود، لكنه في الخلفية سؤال عن الاختراق والمساءلة. وبين الصورة التي يريد الحزب أن يقدمها عن نفسه، والوقائع التي كشفتها عملية البيجر، تبقى فجوة لا تردمها عبارات «لا نركع» و«لا نستسلم».
فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على إعلان المعادلات، بل أيضاً بالقدرة على مساءلة الذات عندما ينجح الخصم في اختراقها.