"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

الجنوبيون يريدون الدولة الفاعلة… لا الدولة الخاضعة

رئيس التحرير: فارس خشّان
الجمعة، 11 سبتمبر 2026

توالت في الأيام الأخيرة مواقف السلطات اللبنانية والبعثات الدبلوماسية، بما يوحي بأن الجميع قرر ملاقاة النداءات المتزايدة التي يطلقها أبناء الجنوب، ولا سيما في النبطية وبلداتها، لوضع مدنهم وقراهم تحت سلطة الدولة حصراً، بعيداً من أي سلطة موازية أو قرار خارج مؤسساتها.

لكن هل تلاقي هذه الاستجابات فعلاً ما يطمح إليه أبناء الجنوب، أم أنها تكتفي بإعادة إنتاج حضور الدولة من دون استعادة سلطتها؟

نظرياً، لم تكن الدولة غائبة عن الجنوب. فالجيش موجود، ومؤسساتها موجودة، وقد انتشر الجيش منذ بدء تطبيق القرار 1701 في صيف 2006. ومع ذلك حصل كل ما حصل.

وهنا أصل المشكلة: المأساة الجنوبية لم تكن بسبب غياب الدولة، بل بسبب عجزها عن أن تكون صاحبة القرار.

فحزب الله أقام طوال سنوات سلطة موازية للدولة: سلاح خارج مؤسساتها، وقرار حرب وسلام لا تملكه، ونفوذ سياسي واجتماعي واسع جعل الخدمات والإنماء والتمثيل تمر في جانب كبير منها عبر منظومة الثنائي الشيعي. أما الجيش، فكان موجوداً، لكن ضمن معادلة فرضها واقع «المقاومة» ولم يكن قادراً على ممارسة السيادة الكاملة التي يفترض أن يمارسها أي جيش وطني.

الدولة كانت حاضرة في الجنوب، لكن حزب الله كان صاحب الكلمة الفصل في قضايا أساسية من حياة الجنوب ومصيره.

لذلك فإن الكلام عن «عودة الدولة» يحتاج إلى تصحيح المفهوم. الدولة لم تغادر حتى تعود. المطلوب هو استعادة قرارها.

لا تكفي الدوريات والحواجز والمراكز الرسمية والمشاريع الإنمائية. فهذه مظاهر حضور، لا دليل سيادة. الدولة التي يريدها أبناء الجنوب هي التي تمنع حزب الله أو أي قوة أخرى من جرّهم إلى حرب جديدة خدمةً لحسابات محلية أو إقليمية أو عقائدية لا يقررونها.

وهنا تقع المسؤولية المباشرة على حزب الله، لأنه ليس قوة عسكرية فحسب، بل الجهة التي كرست هذه المعادلة طوال سنوات. لذلك لا يمكن معالجة المأساة الجنوبية بإعادة ترتيب العلاقة بين الحزب والدولة، أو بإنتاج صيغة جديدة للتعايش بين السلاح والمؤسسات. المطلوب إنهاء الصيغة التي جعلت للدولة شريكاً مسلحاً في قرارها.

ولا ينتهي الأمر عند السلاح.

فالسيادة السياسية لا تقل أهمية عن السيادة الأمنية. وإذا بقيت الخدمات والإنماء والتمثيل السياسي رهينة الزبائنية، وإذا ظل العمل السياسي المنافس يصطدم بسطوة السلاح والنفوذ، فإن الحديث عن استعادة الدولة يبقى ناقصاً.

أبناء الجنوب يريدون أن يكونوا مواطنين في دولة، لا جمهوراً في منطقة نفوذ.

ولهذا فإن حرية العمل السياسي ليست ترفاً. إنها شرط لقيام الدولة. فالمواطن يجب أن يكون قادراً على الاعتراض والتنظيم والترشح والمنافسة من دون أن يواجه منظومة قوة تجعل النتيجة السياسية محسومة مسبقاً.

ومن الخطأ، في المقابل، التعامل مع هذه المسألة باعتبارها قضية جنوبية تخص الشيعة وحدهم. إذا كان المطلوب استعادة سلطة الدولة في الجنوب، فإن المنطق نفسه يجب أن ينسحب على البقاع والضاحية الجنوبية وكل الأراضي اللبنانية.

لا يمكن أن تكون سيادة الدولة كاملة في منطقة ومنقوصة في أخرى. ولا يمكن أن يكون السلاح خارج الدولة مرفوضاً في مكان ومقبولاً في مكان آخر. ولا يمكن أن تطلب الدولة من مواطني الجنوب أن يحتكموا إليها، بينما تترك لمواطنين آخرين واقعاً أمنياً وسياسياً مختلفاً.

السيادة لا تتجزأ، والدولة لا تعمل بنظام المناطق.

لذلك فإن النداءات الصادرة عن أبناء الجنوب تضع السلطة أمام امتحان أكبر من الجنوب نفسه: هل ستكتفي بإدارة الواقع القائم، أم ستبدأ فعلاً بتفكيكه؟

الاستجابة الجدية لا تُقاس بعدد الحواجز ولا بحجم المشاريع، بل بثلاثة أمور واضحة: حصر السلاح بالدولة، استعادة قرار الحرب والسلم، وفتح المجال أمام حياة سياسية حرة لا يحكمها ميزان القوة.

وما يطلبه أبناء الجنوب، في جوهره، ليس أن تأتي الدولة إليهم. إنهم يطلبون أن تكون الدولة هي السلطة الوحيدة فوق أرضهم.

وهذا ما يجب أن يكون عليه لبنان كله: لا جنوب خارج الدولة، ولا بقاع خارجها، ولا ضاحية خارجها، ولا أي منطقة تستطيع فيها قوة مسلحة أن تفرض على اللبنانيين قراراً لا يملكونه.

بعد كل ما جرى، لم يعد السؤال كيف تعود الدولة إلى الجنوب، بل كيف تستعيد الدولة لبنان من كل سلطة تنازعها قرارها.

المقال السابق
حظك اليوم الجمعة 11 أيلول.. القمر في الميزان يربك الحسابات ويهزّ العلاقات
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

إسرائيل تفاوض دولة المستقبل وتحارب دويلة الحاضر.. علي الطاهر نموذجًا

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية