بعد أيام من التصريحات الأميركية المتضاربة التي فتحت باب التأويل حول إمكان الحوار المباشر مع «حزب الله»، جاءت وزارة الخارجية الأميركية لتضع حداً للالتباس، في موقف وزعته السفارة الأميركية في بيروت، وتعيد التأكيد على أن السلاح هو المدخل الأول، وأن الدولة اللبنانية هي الجهة الشرعية الوحيدة التي يُفترض أن يجري الحوار معها.
الرسالة الأميركية الجديدة واضحة: واشنطن تريد لبنان آمناً وذا سيادة، وعلى «حزب الله» أن يسلّم سلاحه. وإذا أصبح الحزب مستعداً لذلك، يمكنه إبلاغ الدولة اللبنانية، وعندها تستطيع الولايات المتحدة محاولة تقريب وجهات النظر. أما أن يتحول الحزب إلى طرف تفاوضي موازٍ للدولة، فذلك ليس ما تقوله واشنطن.
وهنا تحديداً تظهر مشكلة التصريحات التي سبقت التوضيح.
فحين يتحدث المبعوث الأميركي توم برّاك عن أطراف غائبة عن طاولة التفاوض، ثم يضطر إلى توضيح أنه لم يكن يقترح طاولة جديدة أو تفاوضاً أميركياً مع «حزب الله»، وحين يقول السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إن واشنطن مستعدة للجلوس مع الحزب إذا كان لديه «شيء يقدمه»، فإن الرسالة التي تصل إلى «حزب الله» يمكن أن تكون مختلفة تماماً عن الرسالة التي أرادت واشنطن إرسالها. وهنا تكمن خطورة «تذاكي» الدبلوماسية.
فالحزب، الذي يتعرض لضغوط عسكرية وسياسية كبيرة، وجد في هذه التصريحات فرصة ليعيد تقديم نفسه باعتباره طرفاً تفاوضياً مطلوباً، لا طرفاً مطلوباً منه تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة. وهذا فرق كبير.
فبدلاً من أن يكون السؤال: متى وكيف يسلّم «حزب الله» سلاحه للدولة؟، انتقل النقاش إلى سؤال آخر: ماذا يمكن أن يقدم الحزب لواشنطن كي تجلس معه؟
بهذا المعنى، كبرت تصريحات بعض السفراء والمبعوثين رأس «حزب الله» سياسياً. ومنحته، ولو بصورة غير مقصودة، انطباعاً بأن موقعه التفاوضي أقوى مما هو عليه فعلاً، وأن الولايات المتحدة قد تكون في حاجة إلى التحدث معه، لا إلى الضغط عليه لتنفيذ ما تعتبره واشنطن شرطاً أساسياً لسيادة لبنان.
وهذا التضخم في صورة الحزب عن موقعه لا يحدث في فراغ، بل أمام سلطة لبنانية هشة سيادياً، تحاول أن تفرض قرارها بحصر السلاح بيد الدولة، فيما لا تزال قدرتها على تنفيذ هذا القرار موضع اختبار.
ولذلك فإن أي رسالة أميركية توحي بأن «حزب الله» يمكن أن يكون محاوراً موازياً للدولة تضعف السلطة اللبنانية من حيث لا تريد واشنطن، وتمنح الحزب ورقة سياسية إضافية في مواجهة دولة تحاول أصلاً استعادة موقعها.
من هنا جاءت أهمية موقف وزارة الخارجية الأميركية الأخير.
فالخارجية لم تقل إن باب التواصل مغلق، لكنها أعادت تحديد شروطه وترتيبه: الحكومة اللبنانية هي الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة إجراء النقاشات المتعلقة بمستقبل لبنان والتحدث باسم الشعب اللبناني، وعلى «حزب الله» أن يكون مستعداً لتسليم سلاحه. وبعد ذلك فقط يمكن أن يبدأ الحديث عن تقريب وجهات النظر.
أي أن واشنطن أعادت ترتيب المعادلة التي أربكتها تصريحات الأيام الماضية: السلاح أولاً، الدولة هي المحاور، والحوار يأتي لاحقاً.
وهذا الترتيب مهم لأنه يسحب من «حزب الله» الانطباع بأنه أصبح طرفاً تفاوضياً متساوياً مع الدولة أو مع الولايات المتحدة.
لكن التصحيح لا يلغي المشكلة التي سبّبها الالتباس السابق.
ففي السياسة، وخصوصاً في الشرق الأوسط، لا تكفي النيات. الكلمة الصادرة عن سفير أو مبعوث أميركي تتحول فوراً إلى موقف سياسي، ويستثمرها الطرف الآخر في بناء روايته عن ميزان القوى. وقد استثمرها «حزب الله».
أما واشنطن، فعليها الآن أن تثبت أن ما قالته وزارة الخارجية هو بالفعل السياسة الأميركية، لا مجرد محاولة جديدة لتصحيح ما قاله سفراؤها ومبعوثوها.
فإذا كانت تريد أن تستعيد الدولة اللبنانية سيادتها، فإن عليها أولاً أن تكون رسالتها هي نفسها واضحة وموحدة.
لا يحتاج «حزب الله» إلى أكثر من عبارة أميركية ملتبسة كي يرفع سقف شروطه ويعتقد أنه أقوى مما هو عليه.
ولا تحتاج السلطة اللبنانية، في وضعها السيادي الهش، إلى أكثر من هذا الالتباس كي تبدو أضعف مما هي عليه.
لذلك، فإن بيان وزارة الخارجية الذي وزعته السفارة الأميركية في بيروت ليس مجرد توضيح عابر. إنه محاولة لإعادة ضبط ميزان الرسائل بعد أن كادت تصريحات بعض السفراء والمبعوثين تقلبه لمصلحة «حزب الله».
والخلاصة التي كان ينبغي أن تكون واضحة منذ البداية: السلاح بادئ ذي بدء. الدولة هي المحاور. والحوار يأتي بعد ذلك.