لم تكن العقوبات الأميركية الجديدة على شبكة تمويل حزب الله مجرد قائمة جديدة من الأسماء التي أضيفت إلى لوائح العقوبات. خلف الأسماء العشرة، وخلف شبكة السعاة التي تقول واشنطن إنها نقلت مئات ملايين الدولارات عبر تركيا والإمارات وإيران إلى لبنان، توجد رسالة سياسية أكثر وضوحاً: واشنطن تعيد تعريف حزب الله باعتباره جزءاً من منظومة يقودها فيلق القدس.
للمرة الأولى بهذه الصراحة في هذا النوع من البيانات، لا تتحدث وزارة الخزانة الأميركية عن إيران بوصفها مجرد ممول لحزب الله. هي تقول إن فيلق القدس ينسق هجمات الحزب، وله انخراط عميق في توجيه قراراته السياسية، وإن الحزب يعمل تحت سيطرته أو توجيهه أو نيابة عنه.
وهنا تتغير ا لمعادلة.
فإذا كانت الدولة التي تصدر العقوبات تقول إن جهة عسكرية إيرانية هي التي توجه القرار السياسي والعسكري لتنظيم لبناني، فإن السؤال لم يعد فقط: من يمول حزب الله؟ بل: من يقرر؟ ومن يقود؟ ومن يملك القرار عند لحظة الحرب والسلم؟
العنوان الذي قد يبدو مستفزاً هو في الحقيقة خلاصة سياسية لرسالة واشنطن: ما في شي اسمو حزب الله… في واجهة لفيلق القدس.
طبعاً، قانونياً وتنظيمياً، لا تقول الولايات المتحدة إن حزب الله أُلغي ككيان مستقل أو إنه أصبح فرعاً إدارياً من فيلق القدس. حزب الله لا يزال مدرجاً كتنظيم مستقل على اللوائح الأميركية، وفيلق القدس كيان مصنف بصورة منفصلة.
لكن المسألة ليست في الاسم القانوني. المسألة في طبيعة العلاقة التي تصفها واشنطن.
حين تقول الخزانة الأميركية إن فيلق القدس يوجه القرار السياسي لحزب الله وينسق عملياته، فهي تضرب في صميم فكرة أن الحزب يمتلك قراراً استراتيجياً منفصلاً عن طهران.
وهذا ليس تفصيلاً لغوياً.
فالسنوات الماضية سمحت لحزب الله بأن يظهر في آن واحد بوصفه حزباً سياسياً لبنانياً، وتنظيماً عسكرياً، وحليفاً لإيران. أما الصياغة الأميركية الجديدة فتدفع باتجاه قراءة مختلفة: الواجهة لبنانية، لكن مركز ال قرار الذي تتحدث عنه واشنطن إيراني.
شبكة تمتد، وفق الرواية الأميركية، من إيران إلى تركيا والإمارات وصولاً إلى لبنان. سعاة على رحلات تجارية. شركات صرافة تستخدم كواجهات. حسابات وشركات مرتبطة بتحويل الأموال. ومئات ملايين الدولارات تتحرك خارج القنوات المالية الرسمية.
وهنا يصبح توقيت العقوبات مهماً، ففي لحظة تحاول فيها بيروت إعادة تثبيت مفهوم الدولة واحتكار قرار الحرب والسلم، تأتي الرسالة الأميركية لتقول إن المشكلة، من وجهة نظرها، ليست «حزباً لبنانياً مسلحاً» وحسب، بل شبكة إقليمية تمتد إلى طهران وتعمل عبر واجهة لبنانية.