لم يكن مسعود بزشكيان بحاجة إلى أن يعلن سقوط العقيدة الأمنية التي حكمت إيران لعقود. يكفي أن يقول إن بلاده «كان ينبغي أن تمتلك قدرات لا تسمح للعدو أن يتجرأ على مهاجمة أراضينا»، حتى يفهم المرء أن شيئاً ما انكسر في صميم الاستراتيجية التي بناها المتشددون الإيرانيون على مدى سنوات.
فالجملة، في ظاهرها، دعوة إلى مزيد من القوة. لكنها، في جوهرها، اعتراف بأن القوة التي امتلكتها إيران لم تؤدِّ وظيفتها الأساسية: منع الحرب من الوصول إلى الأراضي الإيرانية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
إيران لم تنفق عشرات المليارات على الصواريخ والطائرات المسيّرة والدفاعات الجوية فقط. لقد بنت، بالتوازي، شبكة إقليمية واسعة من القوى المسلحة، من حزب الله في لبنان إلى الفصائل العراقية والحوثيين في اليمن والفصائل الفلسطينية، مروراً بالبنية التي أقامتها في سوريا. وكانت الفكرة الاستراتيجية وراء كل ذلك واضحة: إذا أراد العدو الوصول إلى إيران، فعليه أولاً أن يواجه إيران خارج إيران.
كان هذا هو «العمق الاستراتيجي».
وكان هذا هو «الردع المتقدم».
وكان هذا، قبل كل شيء، هو وعد العقيدة التي حملها المتشددون الإيرانيون إلى الداخل والخارج: لن تصل الحرب إلى إيران.
لكنها وصلت.
ولذلك فإن كلام بزشكيان لا يُقرأ باعتباره مجرد مطالبة بجيش أقوى أو دفاعات أكثر تطوراً. إنه، من دون أن يسمي الأشياء بأسمائها، يضع استراتيجية كاملة أمام قفص الاتهام.
فما جدوى شبكة من الجبهات الممتدة من بيروت إلى صنعاء إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة قادرتين على نقل الحرب إلى العمق الإيراني؟
وما جدوى «محور المقاومة» إذا لم يتحول إلى مظلة ردع تمنع استهداف إيران نفسها؟
وما جدوى امتلاك آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة إذا كان الخصم قد قرر الحرب، ثم تمكن من تنفيذها داخل الأراضي الإيرانية؟
هذه هي الأسئلة التي يفتحها بزشكيان، حتى لو لم يطرحها بهذه الصراحة.
ولذلك تبدو تصريحاته الأخيرة أشبه بنعي سياسي هادئ لاستراتيجية المتشددين، أكثر منها إعلاناً عن سياسة دفاعية جديدة.
هو لا يقول إن إيران يجب أن تصبح ضعيفة. ولا يقول إن عليها التخلي عن نفوذها الإقليمي. ولا يتبرأ من الحلفاء الذين أنفقت طهران سنوات في بنائهم وتسليحهم. لكنه يقول شيئاً أخطر: القوة التي لا تمنع الحرب ليست بالضرورة قوة ردع.
والفرق جوهري.
فالردع لا يُقاس بما تستطيع فعله بعد سقوط الصواريخ، وإنما بما تستطيع منعه قبل سقوطها.
ومن هنا يمكن فهم دعوة بزشكيان إلى معرفة «متى تقاتل ومتى تصنع السلام»، وقوله إن إيران لا تستطيع القتال إلى الأبد، وإن الحرب يجب أن تنتهي في مرحلة ما، وإن الوقت مناسب للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.
إنه خطاب مختلف جذرياً عن منطق التيار الذي يرى في استمرار المواجهة دليلاً على الصمود، وفي كل تنازل ضعفاً، وفي كل تسوية هزيمة.
لكن هنا تحديداً تبدأ كلمة «ولكن» في عنوان هذه الافتتاحية.
لأن بزشكيان يستطيع أن ينعى الاستراتيجية، لكنه لا يستطيع وحده دفنها.
فالقرار الأمني والعسكري في إيران لا يوجد كله في قصر الرئاسة. الحرس الثوري، والمؤسسة الأمنية، ومراكز القرار المرتبطة بالمرشد، هي التي راكمت خلال عقود هذه العقيدة وبنت مؤسساتها وشبكاتها ومصالحها حولها.
بل إن السنوات الأخيرة شهدت تعزيزاً واضحاً لدور المؤسسة العسكرية والأمنية، وتوسيعاً لقدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتشديداً للمنظومة الاستخبارية ومكافحة التجسس، وتكريساً لفكرة العمليات الهجومية خارج الحدود.
أي أن الاستراتيجية التي يشكك بزشكيان في نتائجها ليست مجرد نظرية يمكن إلغاؤها بخطاب رئاسي. إنها منظومة مصالح ومؤسسات وعقيدة تراكمت لعقود.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل اقتنع بزشكيان بفشل استراتيجية المتشددين؟
بل: هل تستطيع إيران تغيير هذه الاستراتيجية؟
فالمشكلة ليست في اكتشاف أن الردع فشل. المشكلة في أن البديل غير موجود بعد.
إذا تراجعت إيران عن شبكة نفوذها الإقليمي، فماذا تحصل في المقابل؟ ضمانات أميركية؟ اتفاق طويل الأمد؟ ترتيبات أمنية؟ رفع للعقوبات؟ أم مجرد وعود سياسية يمكن أن تتغير مع تغير الإدارة في واشنطن؟
وإذا قررت طهران تقليص جبهاتها الخارجية، هل يوافق الحرس الثوري الذي بنى جزءاً كبيراً من نفوذه ومكانته على هذه الجبهات؟
وإذا اختارت التفاوض، هل تستطيع إقناع المتشددين بأن التفاوض ليس استسلاماً؟
هنا تكمن مأساة بزشكيان.
لقد وصل إلى لحظة تبدو فيها الحرب وكأنها قدمت له الدليل الذي يحتاج إليه: الاستراتيجية التي وعدت الإيرانيين بالأمن عبر القوة لم تمنع الحرب عن إيران.
لكن إثبات الفشل أسهل كثيراً من بناء البديل.
ولذلك فإن المعركة المقبلة في إيران قد لا تكون معركة صواريخ فقط، بل معركة على تعريف الأمن القومي نفسه.
هل أمن إيران يبدأ من بيروت وبغداد وصنعاء وغزة، أم يبدأ من حماية طهران وأصفهان وبوشهر؟
هل وظيفة حزب الله والحوثيين والفصائل الحليفة هي حماية إيران، أم أن استمرارهم في ساحات المواجهة قد يجعل إيران نفسها أكثر عرضة للحرب؟
وهل يكون الردع في امتلاك قدرة أكبر على الانتقام، أم في امتلاك قدرة تجعل الخصم لا يجرؤ أصلاً على الهجوم؟
بزشكيان يبدو أنه اختار الإجابة.
لكن السؤال هو: هل يملك القوة لفرضها؟
لأن الرئيس الإيراني قد يكون بالفعل بدأ مراسم دفن استراتيجية المتشددين.
لكن في إيران، حتى الموتى الاستراتيجيون يملكون حراساً أقوياء.
وهؤلاء الحراس هم الذين سيقررون ما إذا كانت جنازة العقيدة قد بدأت فعلاً، أم أن بزشكيان لم يفعل أكثر من إعلان وفاتها على الورق.